الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد:ومن نعم الله الدينية على رسوله ونبيه والمؤمنين به من هذه الأمة المحمدية ما أشار إليه بقوله: (سنقرئك فلا تنسى ) [سورة الأعلى:6] . أي سنحفظ ما أوحينا إليك من هذا الكتاب ونوعيه قلبك على أميتك فلا تنسى منه شيئًا؛ فبشره الله بأنه سيعلمه علمًا لا ينساه، وكان صلى الله عليه وسلم في أول الوحي إذا قرأ عليه جبريل عليه السلام الوحي يحرك شفتيه فيقرأ مع جبريل خشية النسيان، فقال تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأناه فاتبع قرءانه ثم إن علينا بيانه ) [سورة القيامة:16-19] . فأوحى له تعالى أن يستمع وينصت لجبريل حين يتلو عليه الوحي، ووعده أن يجمعه له في صدره ثم يقرأه فلا ينسى منه شيئًا، وقد صدق سبحانه عبده وأنجز وعده.
وأما قوله سبحانه: (إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ) [سورة الأعلى:7] . فالمعنى أنك لا تنسى إلا ما اقتضت حكمة الله أن ينسيك إياه لمصلحة وحكمة بالغة؛ لكون هذا الشيء منسوخًا أو مبدلًا بخير منه، كما قال سبحانه: (ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) [سورة البقرة:106] .
وفي ضمن ذلك تعليم لكل مسلم أن لا يعد بشيء مستقبلًا إلا معلقا بالمشيئة كما قال تعالى: ( ولا تقولن لشىء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله ) [سورة الكهف:23-24] . وهو سبحانه يعلم ما يصلح عباده، وقد هداهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم في معاشهم ومعادهم، ويعلم لذلك سرائرهم وعلانيتهم، وما انطوت عليه ضمائرهم، وفي ذلك حث على سلامة الصدور، وإخلاص النية والنصح للعباد في جميع الأمور.