الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد:
ذُكر الفرح في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعًا، هذا الفرح المذكور في القرآن تسمان: مطلق ومقيد.
مطلق لم يقيد بسبب للفرح، ومقيد ينقسم إلى قسمين: مقيد بالدنيا وهو مذموم كالقسم الذي قبله، فالفرح المطلق الذي لم يذكر له سبب مذموم، والمقيد بأمور الدنيا مذموم، والقسم الثاني من أقسام المقيد: هو الفرح بفضل الله ورحمته وينقسم أيضًا قسمين: فرح بالمسبب وفرح بالسبب، فتكون أقسام الفرح بعد هذه التفريعات والتقسيمات أربعة: مطلق ثم مقيد بالدنيا ثم مقيد بفضل الله ورحمته ينقسم إلى فرح بالمسبب وفرح بالسبب.
أما القسم الأول: وهو الفرح المطلق: فقد ذكر في خمسة مواضع من مواضع ذكر الفرح بالقرآن.
والمقيد بفضل الله ورحمته: ذكر في أربعة مواضع موضع واحد للفرح بالمسبب وثلاثة للفرح بالسبب.
وسأتكلم عن موضع واحد من مواضع كل قسم بإيجاز: فأختار من مواضع القسم الأول وهو القسم المطلق. أختار من الآيات التي وردت فيه الآيتين التاسعة والعاشرة من سورة هود حيث قال ربنا تبارك وتعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور) فهذا فرح مطلق ولهذا فهو مذموم. يخبر الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم لأنه إذا أذاقه سبحانه منه رحمه كالصحة والرزق والأولاد ونحو ذلك ثم نزعها منه فإنه يستسلم لليأس وينقاد للقنوط فلا يرجوا ثواب الله تعالى ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها أو خيرًا منها عليه. وإذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته أنه يفرح ويبطر ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، فيفرح بما أوتي مما يوافق هواه، ويفخر بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس والتكبر على الخلق واحتقارهم وازدرائهم وأي شيء! وأي عيب أشد من هذا. وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضدّه، ولهذا أعقب الله تعالى هاتين الآيتين بقوله تعالى: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات) صبروا إذا آتاهم الله نعمة ثم نزعها منهم، صبروا وعملوا الصالحات (أولئك لهم مغفرة أجر كبير) .
وأما القسم الثاني: فأختار من مواضعه تلك الآيات الأربع من سورة الأنعام من الآية الثانية والأربعين إلى نهاية الآية الخامسة والأربعين في قسم الفرح المقيد بالدنيا قال الله تعالى في هذه القسم المذموم: