فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 336

( 125 )الحاقة -2

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد:يقول تعالى"فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه" (19) "إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"، والمراد بالكتاب كتاب الأعمال، ولكلِّ عبدٍ كتاب، كما قال - تعالى:"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" {الإسراء: 13، 14} ، فلكلّ عبدٍ كتاب، فإذا حُشر العبادُ تطايرت هذه الكتب حتى يقع كلّ كتابٍ في يد صاحبه، فمنهم الآخذ بيمينه، وذلك الناجي، ومنهم من تُطْوَى شمالُه وراءَ ظهره فيأخذ بها، وذلك الشقي الهالك، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول لكلّ مَنْ لقيه: هاؤم اقرءوا كتابيه، وذلك لاعتقاده أنه ليس فيه ما يسوؤه، إني ظننت أني ملاق حسابيه أي كنتُ على يقين أنني محاسبٌ بعملي ومَجزيٌّ به، فاتقيت المحارم، واجتهدت في طاعة الله، فالظنّ هنا بمعنى اليقين، لأن الظنّ الذي هو بمعنى الشك لا يسمن ولا يغني من جوع، قال - تعالى:"فهو في عيشة راضية"أي مرضية في جنة عالية أي رفيعةٌ قصورُها، حسانُ صورها، نعيمةٌ دورُها، دائمٌ حبورُها، قطوفها دانية كما قال - تعالى:"متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان" {الرحمن: 54} ، وقال - تعالى:"ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا" {الإنسان: 14} ، ومع هذا النعيم الحسّي فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب يقولون لهم:"كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"بمعنى"إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا" {الإنسان: 22} ، والمراد بالأيام الخالية يعني الماضية، وهي أيام الدنيا، وهكذا يحدّثنا الله عن الدنيا ونحن مازلنا فيها، يحدثنا عنها بلفظ الماضي لأن زوالها قريب، وهو متحقق، فهو يحدثنا عنها وكأنها قد زالت فعلًا، وكأن أهل الجنة قد تبوأوا منازلهم فيها، وكأن أهل النار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت