فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 1114

عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 154]

لقد أصْبَحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ فَرِيقَيْنِ:

1 -فَرِيقًا ذَكُرُوا مَا أَصَابَهُمْ فَعَرَفوا أنَّهُ كَانَ بِتَقْصِيرٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَذَكَرُوا وَعْدَ اللهِ بِنَصْرِهِمْ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَوَثِقُوا بِوَعْدِ رَبِّهِمْ، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُمْ إنْ غُلِبُوا فِي هَذِهِ المَرَّةِ، بِسَبَبِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَعِصْيَانِ الرَّسُولِ فِيمَا أَمَرَ، فِإنَّ اللهَ سَيَنْصُرُهُمْ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً، حَتَّى يَسْتَرِدُّوا مَا فَقَدُوا مِنْ قُوَّةٍ وَأمْنٍ، وَلِيَذْهَبَ عَنْهُمْ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.

2 -وَفَرِيقًا أَذْهَلَهُمُ الخُوْفُ حَتَّى صَارُوا مَشْغُولِينَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُمْ إذِ الوُثُوقُ بِوَعْدِ اللهِ، وَوَعْدِ رَسُولِهِ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَعَظُمَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى ظَنُّوا بِاللهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ، إذْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا حَقًّا لَمَا نَصَرَ اللهُ الكُفَّارَ عَلَيهِ، وَهَذَا مَقَالٌ لاَ يَقُولُهُ إلاَّ أَهْلُ الشِّرْكِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ: هَلْ لَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالفَتْحِ والظَّفْرِ نَصِيبٌ؟ {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ} ، وَهُمْ يَعْنُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَكَانَ مَا حَدَثَ فِي ذَلِِكَ اليَوْمِ دَلِيلًا، فِي نَظَرِهِمْ، عَلَى أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لَيْسَ بِحَقٍّ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلًا: إنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي هُوَ بِقَدَرِ اللهِ، وَبِحَسَبِ سُنَنِهِ فِي الخَلِيقَةِ وَلِذَلِكَ فَلاَ أَمْرَ لأَحَدٍ غَيْرَ اللهِ.

ثُمَّ يَكْشِفُ تَعَالَى عَنْ خَبِيئَةِ نُفُوسِ هَؤُلاَءِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، فَنُفُوسُهُمْ مَلأى بِالوَسَاوِسِ وَالهَوَاجِسِ، وَالاعْتِرَاضَاتِ، وَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ أَمْرُ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ بَأَيْدِينَا كَمَا ادَّعَى مُحَمَّدٌ: (وَهُوَ أنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ وَلأَوْلِيائِهِ وَأَنَّهُمْ هُمُ الغَالِبُونَ) لَمَا غُلِبْنَا، وَلَمَا قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ، فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ خِطَّةَ القِيَادَةِ هِيَ التِي أَوْصَلَتْهُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ.

وَيَقُولُ تَعَالَى مُصَحِحًا قَوْلَ هَؤُلاءِ وَاعْتِقَادَهُمْ، قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ قَدَرَ اللهِ سَيَقَعُ لاَ مَحَالَةَ، وَلَوْ كَانَ الذِينَ كُتِبَ عَلَيهِم القَتْلُ مَوْجُودِينَ فِي بُيُوتِهِمْ لَخَرَجُوا، دُونَ دَعْوَةٍ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت