فهرس الكتاب

الصفحة 889 من 1114

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:"إِنَّ حِفْظَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ اصْطِلَامِ الْكُفَّارِ أَهَمُّ فِي مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ فَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ وَالْمَقْطُوعُ بِهِ لَا يَحْتَاجُ شَهَادَةَ أَصْلٍ فَإِنْ قِيلَ: فَتَوْظِيفُ الْخَرَاجِ مِنْ الْمَصَالِحِ فَهَلْ إلَيْهِ سَبِيلٌ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: لَا سَبِيلَ إلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ فِي أَيْدِي الْجُنُودِ، أَمَّا إذَا خَلَتْ الْأَيْدِي مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ مَا يَفِي بِخَرَاجَاتِ الْعَسْكَرِ وَلَوْ تَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ وَاشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ لَخِيفَ دُخُولُ الْكُفَّارِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ أَوْ خِيفَ ثَوَرَانُ الْفِتْنَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَامَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِقْدَارَ كِفَايَةِ الْجُنْدِ، ثُمَّ إنْ رَأَى فِي طَرِيقِ التَّوْزِيعِ التَّخْصِيصَ بِالْأَرَاضِيِ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ شَرَّانِ أَوْ ضَرَرَانِ قَصَدَ الشَّرْعُ دَفْعَ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ وَأَعْظَمَ الشَّرَّيْنِ وَمَا يُؤَدِّيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا يُخَاطِرُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَوْ خَلَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ ذِي شَوْكَةٍ يَحْفَظُ نِظَامَ الْأُمُورِ وَيَقْطَعُ مَادَّةَ الشُّرُورِ وَكَانَ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ شَهَادَةِ أُصُولٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ عِمَارَةَ الْقَنَوَاتِ وَإِخْرَاجَ أُجْرَةِ الْفِصَادِ وَثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَنْجِيزُ خُسْرَانٍ لِتَوَقُّعِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ." (6)

وقال الإمام الجويني:"إِذَا خَلَا بَيْتُ الْمَالِ انْقَسَمَتِ الْأَحْوَالُ، وَنَحْنُ نُرَتِّبُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَنَأْتِي فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا بِمَا هُوَ مَأْخَذُ الْأَحْكَامِ."

وَطَرْحُ الْقَضَايَا السِّيَاسِيَّةِ بِالْمُوجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا يَخْلُو الْحَالُ، وَقَدْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: أَحَدُهَا - أَنْ يَطَأَ الْكُفَّارُ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - دِيَارَ الْإِسْلَامِ.

وَالثَّانِي - أَلَّا يَطَئُوهَا، وَلَكِنَّا نَسْتَشْعِرُ مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ اخْتِلَالًا، وَنَتَوَقَّعُ انْحِلَالًا وَانْفِلَالًا، لَوْ لَمْ نُصَادِفْ مَالًا، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِجْرَاءُ الْكُفَّارِ فِي الْأَقْطَارِ، وَتَشَوُّفُهُمْ إِلَى وَطْءِ أَطْرَافِ الدِّيَارِ.

وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ جُنُودُ الْإِسْلَامِ فِي الثُّغُورِ وَالْمَرَاصِدِ عَلَى أُهَبٍ وَعَتَادٍ، وَشَوْكَةٍ وَاسْتِعْدَادٍ، لَوْ وَقَفُوا، وَلَوْ نُدِبُوا لِلْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، لَاحْتَاجُوا إِلَى ازْدِيَادٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ، وَفَضْلِ اسْتِمْدَادٍ، وَلَوْ لَمْ يُمَدُّوا لَانْقَطَعُوا عَنِ الْجِهَادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت