فهرس الكتاب
وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَجَرِ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِمَا إِذَا كَانَتِ الضَّرْبَةُ مُجْهِزَةً، فَأَمَّا أَنْ يَضْرِبَ ضَرَبَاتٍ فَلَا. وَعَلَيْهِ لَا يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَلَا بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهُ مِنَ التَّعْذِيبِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:"وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَاجِبَةٌ، إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّعْذِيبِ فَلْتُتْرَكْ إِلَى السَّيْفِ".
وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قطع يده ورجله وفقا عينه بقصد التَّعْذِيبِ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتَلَةِ الرِّعَاءِ. وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ قُتِلَ بِالسَّيْفِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى خِلَافِ هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا: لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ أَبِي حنيفة والثعلبي والنخعي.
وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (لَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ) ، وَبِالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ، وَقَوْلِهِ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) . وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ! أَفُلَانٌ، أَفُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أن تُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى:"وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ" [النحل: 126] . وَقَوْلِهِ:"فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ". وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَا يُرْوَى مَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، لَوْ صَحَّ قُلْنَا بِمُوجَبِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَرَضَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ فَنَقُولُ أَيْضًا بِمُوجِبِهَا إِذَا لَمْ يُمَثِّلْ، فَإِذَا مَثَّلَ مَثَّلْنَا بِهِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ. وَقَوْلُهُ: (لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) صَحِيحٌ إِذَا لَمْ يُحْرِقْ، فَإِنْ حَرَقَ حُرِقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ الْقُرْآنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إن طرحه في النار عمدا طرح فِي النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَهُ الْوَقَارُ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَخْنُقُ