فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 124

والجواب: أن ما ذكره من القياس مخالف لعموم قوله تعالى {َاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"وفي رواية"أمرت أن أقاتل المشركين"، خُصَّ من ذلك أهل الكتاب لقوله تعالى {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} والمجوس لقوله صلى الله عليه وسلم"سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب" (رواه الشافعي) [1] ، وقول المغيرة بن شعبة لعامل كسرى"أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم - أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" (رواه أحمد والبخاري) ، فمن عداهما يبقى على مقتضى العموم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر (رواه البخاري) ، وأما ما كانت عليه العرب من بقايا دين إبراهيم فلا يقتضي كونهم أهل كتاب تقبل منهم الجزية لأن صحف إبراهيم وشيث وزبور داود لم يكن فيها شرائع، إنما هي مواعظ وأمثال، كذلك وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - صحف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر. وأما اليهود والنصارى لو نبذوا التوراة والإنجيل لم يمنع ذلك أخذ الجزية منهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ} - يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم - {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي نبذ طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} أي تركوها {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [98] ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتّباعه، قال قتادة في قوله {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قال: ان القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم وكتموه وجحدوا به، ومع هذا لم يتغير حكم الجزية في حقهم، وإنما يتغير الحكم في حقهم إذا انتقلوا من مجوسية أو وثنية أو غير ذلك مما يعتقدون بطلانه قبل ذلك، فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ..

(1) - ضعفه الألباني في الإرواء، وهو في الموطأ ورجّح ابن عبد البر إرساله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت