فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 124

فصل: وأما قوله"وقد تتبعت ما أمكنني في هذه المسألة فما وجدت لا في كتاب ولا سنة ولا عن الخلفاء الراشدين الفرق في أخذ الجزية بين أهل الكتاب وغيرهم"..

والجواب: أن آية الجزية نزلت سنة تسع عام تبوك في آخر مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قيدها بأهل الكتاب، فأمر تعالى بقتالهم حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية، فمنهم من أسلم ومنهم من أعطى الجزية فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجران وأيلة وكانوا من متنصرة العرب، وأخذها من يهود اليمن ومجوس هجر، وأما المشركون فأمر تعالى بقتالهم في آيات كثيرة ولم يقل في شيء منها"حتى يعطوا الجزية"، ولم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدًا منهم إليها بل قال تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى قوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} فعلّق تخلية سبيلهم على التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فهذه النصوص قد فرّقت في أخذ الجزية بين أهل الكتاب وغيرهم. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - في كتاب"الإعتصام بالكتاب والسنة"مشيرًا إلى الفرق بين قوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وبين قوله {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : فإنه في الأولى أمر بقتل المشركين ولم يقل حتى يتوبوا، بل قال {إِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وهم لا يكونون مشركين إذا تابوا، فهذه الحال لم يتناولها اللفظ لتخرج بالغاية، بل ذكرت جملة مستأنفة [99] ليتبين انهم إذا فعلوا ذلك وجب تخلية سبيلهم، وقال {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} فأمر بقتلهم وأسرهم وحصرهم والقعود لهم على المراصد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال"أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها"فقال"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"، ولفظ الناس يتناولهم بعد القول بخلاف لفظ الشركين، والله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت