ذلك اتفق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعامة العلماء، فمن سوّى بين سائر المشركين وبين المجوس حتى أخذ الجزية من جميع الكفار فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة، بل قوله"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"دليل على أن الجزية حكم مختص بأهل الكتاب ولمن أُلحق بهم [103] ، ولو كان حكمًا عامًا لم يحتج إلى ذلك، والقرآن قد أمر بقتال المشركين في آيات متعددة ولم يقل: إلى أن يؤدوا الجزية! وأهل الكتاب جعل قتالهم إلى هذه الغاية، ومن سوّى بين المجوس وبين أهل الكتاب فقد خالف أيظًا ظاهر الكتاب والسنة. فإن قيل: لم جاءت السنة بهذا الحكم الثالث في المجوس؟ قيل: لأن أهل الكتاب خير منهم، وهم أرجح من المشركين فإنهم يقرون بالمعاد. وقد روي أنه كان لهم في الأصل كتاب ثم رُفع، فليسوا لأن [1] من أهل الكتاب، ولهذا فرح المشركون بانتصارهم على أهل الكتاب، وفرح المؤمنون بانتصار أهل الكتاب عليهم. لكن قيل انه كان لهم في الأصل كتاب: فمعهم آثار الكتاب ولهم شبهة كتاب فاثّر ذلك في حقن دمائهم بالجزية ولم يؤثر في حل نسائهم وذبائحهم فإن ذلك يعلل بكون صاحبه من أهل الكتاب، وأيظًا فقد علم بالإضطرار والنقل المتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل المشركين على اختلاف قبائلهم ولم يأخذ منهم الجزية، وآية الجزية إنما نزلت في سورة براءة عام تبوك، وغزوة تبوك إنما كانت لقتال نصارى الشام، وفي ذلك نزلت آية الجزية، وأول من أُخذت منه الجزية أهل نجران بنو الحارث بن كعب وكانوا نصارى وفيهم نزل صدر"آل عمران"حين دعاهم إلى المباهلة. وأرسل معاذ إلى اليمن وقال له: إنك تأتي قومًا أهل كتاب. وأمره أن يأخذ الجزية من كل حالم دينارًا أو عدله معافر، فلم يأخذ الجزية إلا من اليهود والنصارى ومن المجوس، فإنه صالح أهل البحرين على الجزية وكانوا مجوسًا [2] ، فكيف يقال أن الجزية تُؤخذ من المشركين. فإن قيل: ففي صحيح مسلم وغيره حديث بريدة بن الحصيب"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى"
(1) - كذا في المطبوع، ولعلها"لأنهم".
(2) - لعل الصواب أن يقال:"وصالح مجوس أهل البحرين على الجزية"، لأن أهل البحرين لم يكونوا كلهم من المجوس.