الثاني أن أن يقال: أن المدح والذم والثواب [105] والعقاب والموالاة والمعاداة معلّقة بالأديان لا بالأنساب، وكتاب الله - من أوّله إلى آخره - إنما يمدح بالإيمان والعمل الصالح ويذم على الكفر والفسوق، ومن علّق حلّ الدم أو حظره أو الرق أو إباحة الطعام والنكاح بالأنساب فقد خالف الكتاب والسنة، مثل من يقول: المشرك العربي يُقتَل ولا تُقبل منه الجزية، والمشرك العجمي تُقبل منه الجزية، ومن يقول: من كان أجداده من أهل الكتاب حلّت ذبيحته ونسائه وأخذت منه الجزية، ومن لم تكن أجداده منهم لم تبح ذبيحته ولا نسائه ولا تُؤخذ منه الجزية، ومن يقول: من كان من غير العرب استرق، والعرب لا يُسترَقّون، وأي فضيلة للعجم بشركهم حتى يُقرّون بالجزية، وأي فضيلة لمن كفر بالله ورسوله وبدّل دين آبائه وكفر نعمة الله حتى يُخص بأكل الذبيحة وحل النساء وأخذ الجزية، وأي فضيلة لمشركي العرب - الذين حاربوا الله ورسوله - حتى لا يُسترقّوا! ثم هذه أقوال متناقضة: فتارة يجعلون الشرف بالنسب فلا يسترقّون، وتارة يغلّظون عقوبتهم فلا تقبل منهم الجزية! فيجعلون النسب معظمًا لهم تارة ومهينًا لهم أخرى. وكذلك كون أجداده من أهل الكتاب هو من أعظم الأسباب التي غلّظ الله بها عقوبتهم حيث بدّلوا نعمة الله كفرًا وضُربت عليهم الذلّة أينما ثُقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فأي شرف لكافرٍ عدوٍ لله ورسوله أعظم من عداوة غيره حتى يجعل ذلك سببًا لحقن دمه وحلّ طعامه ونسائه!!
ثم المجوس الذين ليسوا بأيديهم كتاب قد أخذت منهم الجزية، فعُلم أن مجرد انتساب هؤلاء إلى الكتاب هو الموجب لأخذ الجزية منهم، وأن العبرة بدينهم أنفسهم لا بدين آبائهم.
فانظر إلى قول الشيخ [1] "فمن سوّى بين المشركين وبين المجوس حتى أخذ الجزية من جميع الكفار فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة"، وهذا مما يكذّب ما زعمه هذا المفتري من أن"جمهور العلماء علموا أنه لا فرق بين المجوس وبين سائر المشركين وهم شر من غيرهم، فإذا أخذناها منهم فمن غيرهم بطريق الأولى"، وهذا من جملة الأدلة [106] على تزوير هذه الرسالة على الشيخ ..
(1) - ابن تيمية