: قيّض له الأنصار فوافوه في الموسم بمِنى فتلى عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل فأجابوه وآمنوا به طوعًا واختيارًا لما ظهر لهم من براهين نبوّته ودلائل صدقه، فبايعوه بيعتة [1] العقبة على السمع والطاعة في المنشط والمَكْره وعلى النفقة في العسر واليُسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر وعلى أن يقوموا لله لا تأخذهم في الله لومة لايم، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون أنفسهم وأزواجهم وأبنائهم ولهم الجنة، فكانوا أسعد الناس بذلك، فلما أتمت [2] البيعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يميلوا على أهل مِنى بأسيافهم فلم يأذن لهم، وقال"إنه لم يُؤذن لي في القتال". ثم أمره الله بالهجرة، فهاجر إلى المدينة - هو من معه من المؤمنين - فأيّده الله بنصره وبعباده المؤمنين، ومنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأحمر والأسود، وبذلوا نفوسهم وأموالهم دونه، وقدّموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان فيهم: كما قال قيس بن صرمة الأنصاري في أبياته المشهورة التي كان ابن عباس يختلف إليه يتحفظها منه، وهي:
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة ... يُذكّر لو يلقى حبيبًا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم يرى من يؤوي ولم يرى داعيًا
فلما أتانا واستقرّت به النوى ... وأصبح مسرورًا بطيبته راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالمٍ ... بعيدٍ، ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جلّ مالنا ... وأنفُسنا عند الوغى والتآسيا
نُعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعًا، ولو كان الحبيب المُصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن كتاب الله أصبح هاديا [6]
(1) - في المطبوع"بيعته"، والعل الصواب: المثبت.
(2) - كذا، ولعلها"تمّت"!