أحكامه، ولا مجال للإجتهاد فيها لوضوح أدلتها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
وهذا أوان الشروع في المقصود مستعينًا بمُلهم الصواب متبرأً من الحول والقوة إلا به راجيًا منه الإصابة في المقال والإثابة في المآل إنه وليّ ذلك والقادر عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فصل: قال المُفتري"فصل في قتال الكفار: هل هو سبب المقاتلة أو مجرّد الكفر، وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء: الأول قول الجمهور كمالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم، والثاني قول الشافعي، وربما علل به بعض أصحاب أحمد".
والجواب: ان جهاد الكفار والمشركين سببه وعلّته: الكفر والشرك الذي هم عليه، لا مجرّد المُحاربة، وقد تظاهرت بذلك دلائل الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة في خير القرون وأفضلها، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة مدوّن في كتاب المغازي والسّير لا ينكره إلا مُكابر، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في جهاد مع المشركين منذ بعثه الله - عزّ وجلّ - وأكرمه بالرسالة إلى أن توفاه واختار له ما عنده، فكان يغشى الناس في مجالسهم في أيام المواسم، ويتبعهم في أسواقهم فيتلوا عليهم القرآن ويدعوهم إلى الله عز وجل ويقول"من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلّغ رسالات ربّي وله الجنة"، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، أقام على هذا بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة من غير قتال، ولمّا أنزل الله عليه {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] ، وأمره بإبلاغ ما بعثه به والصّدع [5] به، وهو: مواجهة المشركين به، ناله - ونال من آمن به منهم - من الأذى ما هو معلوم مذكور في كتب السّير، والله يأمره - مع هذا - بالصبر والصفح والعفو والإعراض عنهم، ويقول مسلّيًا له {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] ، ثم لما أراد الله - عز وجل - إظهار دينه وإعلاء كلمته ونصْر رسوله صلى الله عليه وسلم