برأيه فلم يُنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قتله، ولأن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وربما كان أبلغ من القتال باليد كما قال أبو الطيّب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّلٌ وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرّة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقرانِ
وروي عن معاوية - رضي الله عنه - أنه قال لمروان والأسود"أمددتما عليًا بقيس بن سعد وبرأيه ومكايدته، فوالله لو أنكما أمدتتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك". وقد خُصّ أيظًا من عموم قوله تعالى {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} : المسالم، وهو ضد المُحارب [12] : وهو المصالح المهادن مدّة معلومة، فلا يجوز قتله كما زعم هذا المُفتري في قوله"سواء سالمنا أو حاربنا"وإنما تجوز مهادنة الكافر عند العجز أو المصلحة المرجوّة في ذلك، فيجوز للإمام مهادنة أهل الحرب على ترك القتال مدة بعِوَض وبغير عوض، وتسمى: مهادنة وموادعة ومعاهدة ومسالكة، ودليل الجواز: قوله تعالى {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح سُهيل بن عمرو بالحديبية على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف [1] فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، أو يُرجى إسلامهم بهدنتهم، قال في المُغني"قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، وهو اختيار أبي بكر ومذهب الشافعي لأن قوله {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} عامٌ خُصَّ منه العشر لمُصالحة النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشًا يوم الحديبية عشرًا، ففي ما زاد يبقى على مقتضى العموم."
(1) - في المطبوعة: ضعيف.