فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 124

{الذين يقاتلونكم} تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا، فدل على أن هذا علّة الأمر بالقتال، ثم قال {وَلاَ تَعْتَدُوا} والعدوان مجاوزة الحد، فدل على أن قتال من لم يقاتلنا عدوان، ويدل عليه قوله بعد هذا {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فدل على أنه لا تجوز الزيادة"."

والجواب: أن قول الجمهور - الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة - أن قتال الكفار فرض على الأمة: إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية، وأن قتالهم لكفرهم وشركهم لا لمقاتلتهم، وهذا قتال الطلب لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وإظهاره على الدين كلّه، وهو فرض كفاية على المشهور، فإن اعتدوا على المسلمين: قوتلوا لكفرهم ولدفع اعتدائهم وهذا قتال الدفع وهو فرض عين على المُعتدى عليهم ومن يليهم حتى تحصل الكفاية في كفّ شرّهم، وأما الآية التي استدلّ بها فلا حجّة له فيها لأن مِن المفسرين من قال أنها أوّل آية نزلت في القتال حينما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا بقتال [14] من قاتله والكفّ عمن كفَّ عنه، ثم نُسخت ببراءة، وهذا قول الربيع بن أنس وابن زيد وروي عن ابن عباس {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] يقول: لا تقتلوا النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السّلم وكفّ يده، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عدي بن أرطأة"اني وجدت في كتاب الله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي: لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني النساء والصبيان والرهبان". ثم قال ابن جيرير بعد حكاية القولين"وأولى هذين القولين بالصواب القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لأن دعوى المدّعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة - بغير دليل على صحة دعواه - تحكّم، والتحكّم لا يعجز عنه أحد"، ثم قال"فتأويل الآية إذا كان الأمر ما وصفناه: {وَقَاتِلُوا} أيها المؤمنون {فِي سَبِيلِ اللهِ} وسبيل طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده، يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي وعلى ما شرعت لكم من ديني وادعوا إليه من ولّى عنه واستكبر:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت