بالأيدي والألسن حتى ينيبوا إلى طاعتي أو يُعطوكم الجزية صغارًا إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم - تعالى ذكره - بقتال من كان فيه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن فيه قتال من نسائهم وذراريهم فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا، فذلك معنى قوله {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} لأنه أباح الكفّ عمّن كف فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافّين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارًا، فمعنى قوله {وَلاَ تَعْتَدُوا} : ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتاب والمجوس {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الذين يجاوزون حدوده فيستحلون ما حرّمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم"."
فتبيّن مما ذكره إمام المفسرين أبو جعفر [15] محمد بن جرير - رحمه الله - أن المراد بالذين يقاتَلون: من كان فيه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن فيه قتال من نسائهم وذراريهم، وأن معنى الأعتداء: قتل النساء والولدان ومن أعطى الجزية. وذكر البغوي في تفسيره عن الحسن، قال"أمر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقتال من قاتله من المشركين، فقال {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وكان لا يقتل إلا من قاتله، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجّلهم أربعة أشهر فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من ذلك - لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد - وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلّ دماء جميعهم - من أهل العهد وغيرهم - بعد انقضاء الأجل". وذكر ابن كثير عن أبي العالية أنه قال"هذه أوّل آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل من قاتَله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت براءة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (حتى قال) : هذه منسوخة بقوله {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} قال: وفي هذا نظر لأن قوله {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همّهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] قال: ولهذا قال في هذه الآية {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة: 191] ، أي لتكون همتكم منبعثة على قتالهم كما همتهم منبعثة على"