فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 124

العبادة له دون ما سواه، والأدلة على هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تُحصر ولا تخفى إلا على أعمى البصيرة أو من أزاغ الله قلبه فهو يجادل بالباطل ليدحض به الحق، وقد أمر الله - تعالى - بقتال الكفار {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا [26] سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] فاشترط في تخلية سبيلهم: التوبة من الشرك الذي هم عليه بأن يقولوا"لا إله إلا الله"ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول في قوله {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية: هذا خطاب عام في قتال كل مشرك، وتخلية سبيله إذا تاب من شركه وأقام الصلاة وآتى الزكاة سواء كان مشركًا أصليًا أو مشركًا مرتدًا". وكلام الشيخ هذا يبيّن أن سبب قتال الكفار والمشركين وعلّته التي شرع من أجلها: الشرك والكفر، ولم يشترط في قتالهم حصول قتال منهم. وقال البغوي في تفسيره: هذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء، وقيل نُسخ بها قريب من سبعين آية". وقال ابن كثير:"قوله {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} أي من الأرض، وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} الآية". قلت: وهذا التخصيص الذي ذكره قد نسخ بقوله {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} ، فالآية على عمومها، ذكره ابن جرير. وقوله {وَخُذُوهُمْ} قال ابن كثير: أي وأسروهم إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا، {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: لا تكتفوا بمجرّد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ولهذا اعتمد الصديق - رضي الله عنه - في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها حيث حرّمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي: الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبّه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين: الصلاة التي هي حق الله - عز وجل - وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد [1] إلى الفقراء والمحاويج، وهي

(1) - في الاصل"متعدد"ولعل الصواب ما اثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت