أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين [27] عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال"أُمِرْتُ أنْ أُقُاتِلَ النّاسَ حّتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاّ الله، ويقِيمُوا الصّلاةَ، ويُؤْتُوا الزّكاةَ"الحديث، وهذه الآية الكريمة هي"آية السيف"التي قال الضحاك بن مزاحم أنها نسخت كل عهد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين أحد من المشركين، وكل عقد، وكل مدّة. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت براءة وانسلخ الأشهر الحُرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر. وقال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمّي لهم من العهد والميثاق وأذهب الشرط الأول. وقال ابن القيم: أمره الله بعد انسلاخها (يعني الأربعة أشهر) أن يقاتلهم، فقتل الناقض لعهده، وأجّل من لا عهد له - أو له عهد مطلق - أربعة أشهر وأمره أن يتم للموفي بعهده عَهدَه إلى مدّته، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدّتهم، وضرب على أهل الذمّة الجزية، فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين وأهل عهد وأهل ذمّة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين وأهل ذمّة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.
وقال تعالى {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] ، قال ابن كثير: يقول تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدوه في حروبهم مع المشركين: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} أي إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} أي أهلكتموهم قتلًا {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} أي الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيّرين في [28] أمرهم: إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أسراهم، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. وقد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيّرة بين مفاداة