وقوله {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِين} يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفّوا عنهم فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: أن لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هنا: المعاقبة والمقاتلة كقوله {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وقوله {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. وقال تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} وقال تعالى {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} قال ابن كثير: قوله {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم: لا قتال، بل باختيار، وقال تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، قال ابن كثير: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفّوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام، وقال الزُّهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه اذا استُعين أن يعين وإذا استُغيث أن يغيث وإذا استُنفر أن ينفر وإن لم يُحتَج إليه قعد. قلت: ولهذا ثبت في الصحيح"من مات ولم يغزُ ولم يُحدّث نفسه بالغزو: مات ميتة جاهلية"، وقال - عليه السلام - يوم الفتح"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد [30] ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا"، وقوله تعالى {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك فإنه إما أن يُقتل أو يُجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء، ثم قال تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والإستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} وهذا عام في الأمور كلها: قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك: القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم، ثم قال تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم