ذلك لضيق الحال وضعف الناس. وقوله {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} أي إن لم يُسلموا {عَنْ يَدٍ} أي عن قهر لهم وغلبة {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه"، ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم. [33] وقال القاضي أبو بكر بن العربي: سمعت الشيخ الإمام أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي - إمامهم ببغداد - يقول في قوله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} أن قوله {قَاتِلُوا} أمر بالقتل، وقوله {الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} سبب للقتال، وقوله {وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إلزام للإيمان بالبعث الثابت بالدليل، وقوله {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ} بيان أن فروع الشريعة كأصولها وأحكامها كعقائدها، وقوله {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} أمر بخلع الأديان كلها إلا دين الإسلام، وقوله {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} تأكيد للحجة، ثم بين الغاية وإعطاء الجزية.
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة 38 - 41] ، قال ابن كثير: أمر الله - تعالى - بالنفير العام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال: في المنشط والمكره والعسر واليسر فقال {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} .