الخلق إليه ويوضح لهم السبيل ويبصرهم الدليل ويحتمل الأذاية والهوان في طريق الدعوة والتبيين حتى قامت حجة الله واصطفى الله أولياءه وشرح صدورهم لقبول الحق، فالتفّت كتيبة الإسلام وائتلفت [1] قلوب أهل الإيمان، ثم نقله من حال الأذية إلى العصمة، ومن الهوان إلى العزة، وجعل له أنصارًا بالقوة، وأمره بالدعاء بالسيف: إذ مضى من المدة ما تقوم به الحجة، وكان من الإنذار ما حصل به الإعذار. جواب ثان: وذلك أنهم يؤخذون أولًا كرهًا، فإذا ظهر الدين، وحصل في جملة المسلمين، وعمّت الدعوة في العالمين حصلت بمِثافَنَتِهم وإقامة الطاعة منهم النية، فقوي اعتقاده، وصحّ في الدين وداده إن سبق له من الله التوفيق، وإلا أخذنا بظاهره وحسابه على الله. وقال أبو بكر أحمد بن علي [65] الرازي، فإن قال قائل: فمشركوا العرب الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم وأن لا يقبل منهم إلا إسلام أو السيف: قد كانوا مكرهين على الدين، ومعلوم أن من دخل في الدين كرهًا فليس بمسلم، فما وجه إكراههم عليه؟ قيل: إنما أكرهوا على إظهار الإسلام لا على اعتقاده لأن الإعتقاد لا يصح منا الإكراه عليه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن القتال إنما هو على إظهار الإسلام، وأما الإعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى، ولم يقتصر بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القتال دون إقامة الحجة والبرهان في صحة نبوته، فكانت الدلائل منصوبة للإعتقاد وإظهار الإسلام معًا لأن تلك الدلائل - من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام - فقد اقتضت منه اظهاره والقتال لإظهار الإسلام، وكان في ذلك أعظم المصالح: منها أنه إذا أظهر الإسلام، وإن كان غير معتقد له، فإن مجالسته للمسلمين وسماعه القرآن ومشاهدته لدلائل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام وتوضح عنده فساد اعتقاده، ومنها أن يعلم الله أن في نسلهم من يؤمن ويعتقد التوحيد فلم يجز أو يقتلوا مع العلم بأنه سيكون في أولادهم من يعتقد الإيمان.
(1) - جاءت في جدول تصويب الأخطاء"واتلفت"، وقد كانت في الأصل"والتفت"والمثبت هنا ما جاء في أصل كتاب القاضي ابن العربي، وهو الصواب.