المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف" [1] ."
فإذا وُجدت مشقة حقيقية غير معتادة، أو ضرورة يترتب على مخالفتها خطر، أو حاجة تنزل منزلة الضرورة -عامة أو خاصة- ويترتب على مخالفتها عسر وصعوبة وعنت، فعندئذٍ يتوجه الأخذ بالأيسر، ويصح للمفتي أن يعمل بمبدأ التيسير؛ لأن القاعدة أن:"الضرورات تبيح المحظورات"وأن"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة"وأنه:"لا واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة"، قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} .
أما إذا لم يوجد ما يدعو إلى التيسير؛ فإن التيسير عندئذٍ يكون اتباعًا للهوى، وتحكيمًا للشهوة، وهو حرام إجماعًا، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:"لا يجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإنْ تَتَبَّعَ ذلك فسقَ، وحَرُمَ استفتاؤه" [2] .
وقد نبه الشاطبي -رحمه الله- إلى أمر مهم، وهو أن الحرج إذا كان عامًّا اعتُبِر، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر، ونقل عن ابن العربي [3] أنه قال:"إذا كان الحرج في نازلةٍ عامة في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصًّا لم يعتبر عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره" [4]
الضابط الثاني [5] : أن يغلب على الظن حصول المقصود من التيسير:
فإذا كان الإفتاء بالأيسر لن يرفع الحرج، ولن يزيل المشقة، ولن يحقق المقصود منه
(1) قواعد الأحكام، للعز ابن عبد السلام (2/ 7، 8) .
(2) إعلام الموقعين، لابن القيم (4/ 222) .
(3) أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، ابن العربي، الأندلسي، الإشبيلي، المالكي، المعافري الحافظ المشهور صاحب التصانيف، من تصانيفه: عارضة الأحوذي، وأحكام القرآن، وغير ذلك، ولد سنة 498 هـ، وتوفي سنة 543 هـ. سير أعلام النبلاء، للذهبي، (20/ 198) ، ووفيات الأعيان، لابن خلكان، (4/ 296) .
(4) الموافقات، للشاطبي، (2/ 159) .
(5) ضوابط تيسير الفتوى، لليوبي، (ص 38) .