(كأنها هراوة منوال)
ومنها محاكاة لأمور معنوية بأشياء محسوسة كقولهم في المنة إنها طوق العنق، وفي الإحسان أنه قيد. وهذا كثير في شعر العرب كقول أبي الطيب:
(ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا)
أو قول امرئ القيس:
(بمنجرد قيد الأوابد هيكل)
وما كان من هذه أيضًا غير مناسب ولا شبيه فينبغي أن يطرح؛ وهذا كثيرًا ما يوجد في أشعار المحدثين وبخاصة في شعر أبي تمام كقوله: (لا تسقني ماء الملام) فأن الماء غير مناسب للملام. وكما أن البعيد يجب طرحه كذلك ينبغي أن يكون التشبيه بالجنس الموجود مطرحًا أيضًا، وأن يكون التشبيه بالأشياء الفاضلة.
ومنها المحاكاة التي تقع بالتذكر كأن يرى الإنسان خط إنسان فيتذكره إن كان حيًا أو ميتًا، وهذا موجود في أشعار العرب بكثرة كقول متمم بن نويرة:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعوني! فهذا كله قبر مالك
وكقول المجنون:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى صبرًا كان في صدري
وكقول الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا ... وأذكره لكل غروب شمس
وهذا النوع كثير في شعر العرب، ومنه تذكر الأحبة بالديار والأطلال. ويقرب من هذا الموضع ما جرت به عادة العرب من تذكر الأحبة بالخيال وإقامته مقام المتخيل كما قال شاعرهم:
وأني لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالًا منك يلقى خياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس في السر خاليا
وتصرف العرب فيه كثير