مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئًا مستقيمًا أو كالمستقيم: ثم يتخذون منه علما بأمور أوطانهم تلك التي لم يبق لهم اليها سبيل.
كلا. لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا، لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيرا منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيبًا كاسف البال، محزونًا بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء. وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وماله لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دما بريئا ولما ينتصف النهار: أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميرًا. وأصفاهم قلبًا، وأعظمهم حظًا من الدين. وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألم به من كرب، وأحسنهم احتمالا لما سلط عليه من محنة، ورضى بهذا النكبة التي كان ينظر إليها على أنهااختبار له، وابتلاء لأيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض. ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال، وهم يعرونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئًا ولا يزيدونه إلا إغراقًا في الحزن وغلوًا في اليأس، وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثاروها ودفعوه إلى الحديث فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع. وكان نسطاس ملكًا لصفون بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به النعيم قتله ثم عاد، ولم يكن مثل هذا العمل يحبب إلى نسطاس، ولكنه لم يكن خليقًا أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى،