وأما الغلام فعلي أبن عمه أبي طالب، ثم كان أول النمو في الإسلام بحر وعبد: أما الحر فأبو بكر، وأما العبد فبلال، ثم اتسق النمو قليلًا قليلًا ببطء الهموم في سيرها، وصبر الحر في تجلده، وكأن التاريخ واقف لا يتزحزح، ضيق لا يتسع، جامد لا ينمو: وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) أخو الشمس؛ يطلع كلاهما وحده كل يوم. حتى إذا كانت الهجرة من بعد، فانتقل الرسول إلى المدينة - بدأت الدنيا تتقلقل، كأنما مر بقدمه على مركزها فضغطها فحركها، وكان خطواته في هجرته تخط في الأرض، ومعانيها تخط في التاريخ، وكانت المسافة بين مكة والمدينة، ومعناها بين المشرق والمغرب.
لقد كان في مكة يعرض الإسلام على العرب كما يعرض الذهب على المتوحشين، يرونه بريقًا وشعاعًا، ثم لا قيمة له وما بهم حاجة إليه، وهو حاجة بني آدم إلا المتوحشين، وكانوا في المحادة والمخالفة الحمقاء، والبلوغ بدعوته مبلغ الأوهام والأساطير - كما يكون المريض بذات صدره مع الذي يدعوه في ليالي القر إلى مداواة جسمه بأشعة الكواكب؛ وكانت مكة هذه صخرًا جغرافيًا يتحطم ولا يلين، وكأن الشيطان نفسه وضع هذا الصخر في مجرى الزمن ليصد به التاريخ الإسلامي عن الدنيا وأهلها.
وأوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذب وأهين، ورجف به الوادي، يخطوا فيه على زلازل تتقلب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضًا عليه، والصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا من حفظ الله منهم، فأصيب كبيرًا باليتم من قومه، كما أصيب صغيرًا باليتم من أبويه.
وكان لا يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله وعرض نفسه عليه، ومع ذلك بقيت الدعوة تلوح وتختفي كما يشق البرق من سحابه على السماء، ليس إلا أن يرى ثم لا شيء بعد أن يرى!
فهذا تاريخ ما قبل الهجرة في جملة معناه، غير أني لم أقرأه تاريخًا، بل قرأت فيه فصلا رائعًا من حكمة الإلهية، وضعه الله كالمقدمة لتاريخ الإسلام في الأرض، مقدمة من الحوادث والأيام تحيا وتمر في نسق الرواية الإلهية، المنطوية على رموزها وأسرارها، وتظهر فيها رحمة الله تعمل بقسوة، وحكمة الله تتجلى في غموض، فلو أنت حققت النظر لرأيت تاريخ الإسلام يتأله في هذه الحقبة، بحيث لا تقرؤه النفس المؤمنة إلا خاشعة كأنها