ويحاوره في (جهنم) سائلًا: هل النون في جهنم زائدة؟ فيجيبه مالك بقوله: ما أجهلك وأقل تمييزك؟ ما جلست هنا للتصريف ولكن جلست لعقاب الكفرة والمشركين والقانطين. ثم يذهب في جماعة من الأدباء إلى رضوان خازن الجنان فيناديه بعضهم قائلًا. (يا رضؤ) بالترخيم. فيقول له ما حاجتكم؟ فيقول بعضهم نسألك أن تكون واسطتنا لدخول الجنة فأنهم لا يستغنون عن مثلنا: فقبيح بالعبد أن ينال هذه النعم وهو إذا سبح الله لحن. . ولعل في الفردوس قومًا لا يدركون أحرف (الكمثرى) أكلها أصلية أم بعضها زوائد فيبتسم رضوان ويقول: أن أهل الجنة اليوم في شغل فاكهون. هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون:
فانصرفوا - رحمكم الله - فقد أكثرتم الكلام فيما لا منفعة فيه، فيطلبون لقاء (الخليل بن أحمد) فيطل عليهم قائلًا: ماذا تريدون؟ فيعرضون عليه مثل ما عرضوا على رضوان فيقول لهم: إن الله جلت قدرته جعل من يسكن الجنة ممن يتكلم بكلام العرب ناطقًا بأفصح اللغات كما نطق بها (يعرب بن قحطان أو معد بن عدنان) فاذهبوا راشدين - إن شاء الله - فينصرف الأدباء وتنتهي رسالة الملائكة. تلك التي نتلمس من أسلوبها وخيالها أن رسالة الغفران أينعت في نفس أبي العلاء فأرسلها تحمل صنعته على الرواة الذين صحفوا أحاديث الشعراء. وعلى الشعراء الذين نجوا من عذاب الله دون عمل يسلك بهم سبيل النجاة (في رأيه) .
وأما دانتي فقد علمنا أنه عذب وشرد في الآفاق. . وحكم عليه بالإعدام حرقًا. ثم كان محبًا من قبل ذلك لبياتريشي وتفتحت أزهار حياته الأولى على أيدي القديسين والرهبان يغرسون في نفسه بذور التفكير في الجنان والنيران. وعذاب العصاة ونعيم الطائعين. فلما أوشك أن ينطفئ سراج حياته، وأذنت شمسه بالمغيب قبيل وفاته بأسابيع قلائل نظر وراءه فرأى قومًا اضطهدوه وشردوه ورأى حبًا مضاعًا لم يستمتع به ثار في نفسه ما يثور في كل نفس عجزت عن نيل الأماني فعمدت للخيال تحقق به ما أضلته في الحقيقة. وتخيل رحلته في الجحيم وفي النعيم يلقى في جهنم من شردوه وعذبوه ويلقى فيها البابا بونيفاشيو الذي كان السبب في تشريده وتشتيت شمله، يراه في الدرك الثامن من جهنم في ثلة من المعذبين أمثاله غرست رؤوسهم وأكتافهم إلى الأسفل في حفر عميقة. وأما بقية أجسامهم