وإذا نظرنا الآن إلى أحلام يقظتنا وجدنا أننا كثيرًا ما نشغل أنفسنا فيها بتبرير ذواتنا. ومن الواضح أن السبب في ذلك هو أننا لا نستطيع أن نحتمل الشعور بأننا مخطئون على الرغم من أن الأدلة كلها قائمة على ضعفنا وكثرة أخطائنا. وتبعًا لذلك فإننا نضيع وقتًا كبيرًا في البحث عن ظروف خارجية نرجع إليها أخطاءنا مثل سوء الحظ وانعدام التوفيق وعدم مواتاة الظروف لنا، ونجتهد في أن نُسْقط على الآخرين (وكثيرًا ما يكون ذلك بمهارة فائقة) أسباب سقوطنا وخيبتنا. فالتبرير الجدلي إذن هو عبارة عن تبرئة النفس حينما يتهمنا الناس (أو يتهمون جماعتنا) بالخطأ أو سوء الفهم.
وليس من شك في أن حبنا لذواتنا، إنما هو العامل الخفي الذي يكمن من وراء كل تبرير جدلي. فهذا الضمير الذي نعبر عنه بحرف الياء (ي) هو في الحقيقة جوهر الحياة الإنسانية؛ هو حرف صغير لا يضيره أن تلحقه بأي لفظ كائنًا ما كان، لأنه لا يفقد قيمته على أي حال، يستوي في ذلك أن تقول بيتي، عقيدتي، بلادي، إلهي. . . الخ. فنحن لا نغضب فقط حينما يخبرنا أحد ساعتنا غير مضبوطة، أو سيارتنا ليست جيدة، وإنما نغضب أيضًا إذا قال لنا أحد نطقنا لاسم (ابكتاتوس) غير صحيح، أو أن رأينا عن تاريخ سارجون الأول بعيد عن الصواب.
وهذا الشعور نفسه كثيرًا ما نجده عند الفلاسفة والعلماء أنفسهم إذا كانوا بصدد مسألة يدخل مسألة يدخل فيها حبهم لذواتهم فإن كثيرًا من المؤلفات الجدلية، ولم تكتب إلا لمواجهة خصومه أدبية - وعلى الرغم من أن بعض هذه المؤلفات قد ينطوي على استدلالات تبدو سليمة لا غبار عليها، فإنه من المحتمل أن تكون هذه الاستدلالات مجرد تبريرات جدلية ترجع في نهاية الأمر إلى بواعث نفسية. وإذن فإن من الممكن أن يُكتب تاريخ الفلسفة واللاهوت في عبارات الكبرياء المجروحة، والخصومات المذهبية، وضروب العداء المستحكمة بين الطوائف ويكون على هذه الصورة اصدق تعبيرًا مما لو كتُبِ على الطريقة المألوفة. وإننا لنعرف أن ملتون قد كتب مبحثه عن الطلاق نتيجة للمتاعب الكثيرة التي لاقاها بعد زواجه من تلك الفتاة التي كانت تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا. وكذلك نعرف أيضًا أنه لم يكتب كتابه المشهور المعروف: إلا حينما أتهم بأنه رائد مذهب جديد هو مذهب المُطلَّقين؛ فكتب كتابه هذا لكي يثبت أن من حقه أن يقول ما يعتقد أنه الصواب؛