بهذه المناظرة وخضوعًا لها، فزادت رؤيتها تأثري حتى وصلت آثارها إلأى أعمق نقطة في نفسي
سمعت ذات يوم من تل الأيام التي قضيتها في تلك القرية وقع أقدام يكاد يخفي على الأذن لضعفه، فالتفت فعلقت عيني بفتى وفتاة قلما علقت عين بمثلهما جمال خَلْقٍ ولطف خُلقٍ، لا يتجاوز أكبرهما وهو الفتى الثانية عشرة من عمره، ولا تقل الفتاة عنه إلا عامًا أو عامين، كانت الفتاة وهي تبكي بلا عبرات وتئن بلا حسرات، أما الفتى فكان على عكس حالها يطفح نشاطًا ويفيض سرورًا، مع أن على وجهه سحابة. . . لا أردي ماذا أسميها؟
ولا أدري كيف أعبر عنها؟ هي كالتي ترى على بعض الوجوه التي رشقها الموت بسهم من سهامه في بعض من يعز عليها، فطبعها بطابع أغبر قاتم يدل على ما في الجنان من هموم وأحزان، فلما رأيتها على ما وصفت، شعرت بألم في أعماق نفسي ذهب بكل ما فيها من نشوة وطرب
كانا يمشيان رويدًا رويدًا؛ فالفتاة مستغرقة في أفكارها، مسترسلة إلى أحزانها، وأما الفتى فقد كان يبتسم ابتسامة عذبة كأنه ثمل من حمرة الربيع الجديدة
علقت عيني بهما حتى ما كنت استطع أن أحولها عنهما، كأن دافعًا خفيًا يدفعني إلى ذلك ويفرضه على فرضًا. حاذباني، وتجاوزازني، ولعلهما لم يشعر بمكاني، أحدهما مشغول عني بافراحه، والآخر مأخوذ باتراحه
وبينا أنا في ذهولي العميق إذا بقاتل يقول:
-فيماذا تفكر؟
كان المتكلم طبيبًا من أصدقائي يتبع الطفلين، لا أذكر ماذا أجبته على سؤاله، ولكني أدركت بعد أن مر الطفلان من أمامي أن ضحية ثمينة قد مرت بي
صادفت الطبيب في اليوم الثاني منفردًا فقلت له:
-من هذان الطفلان اللذان كنت تتبعهما أمس؟
فأجابني وهو يلوي شفته:
-هما شقيقان
قلت: