التي أتحفتنا بها الطبيعة لتجلبنا اليها، فجمعت باقة جميلة فيها من كل لون حسن، ومن كل رائحة لطيفة، ثم رأيت زهرة زرقاء اللون، قد نبتت على حائط المقبرة بين الأحجار، فمددت يدي لأقطفها، فاذا بيد قد وضعت على كتفي، فالتفت فاذا صديقي الطبيب، فقلت له:
-أهذا أنت؟
-نعم فالى أين تريد؟
-لست أريد مكانًا معينًا، إنما أنا في نزهة أداوي بها نفسي ولا أدري متى يكون الشفاه؟
ثم ذكرت الطفل المريض، فقلت له:
-ما شأن مريضك اليوم؟
فأخذ الطبيب بيدي وسار أمامي حتى وقف على باب المقبرة وأشار بيده قائلًاك
-ها هو ذا. . .
نظرت بحيرة، فاذا الطبيب يريني قبرًا جديدًا ث أضاف قائلا:
-ما كنت مخطئًا في ظني. إن الفتى قد قضى بحبه منذ يومين، وقد دعت الآن لمعالجة الفتاة، وها أنا ذاهب اليها
ابتعد الطبيب عني، ووقفت في مكاني كالصم لا أتحركن إن هذا القبر الجديد تحت سماء الربيع الصافية المملوءة بالحياة والنشاط يدل على معنى مؤلم، فنظرت طويلًا واستعبرت كثيرًا، فكأن صوتًا من داخل القبر يقول:
-انظروا متأملين إلى هذه الأنوار التي تفيض من السماء فيضًا! والى الحياة تسح من أجواف الربيع المزدهر سحًا، ولكني محروم من هذا وذاك. . . آه افتحوا قبري! افتحوه. . . لأشاهد أنوار السماء واضواءها، ولأبصر فوران الحياة وغليانها
بحركة لم أتعمدها، ولم أقصد اليها، ألقيت من يدي تلك الباقة من الزهر، على ذلك القبر، الذي كانت تشرق عليه شمس مايو الحارة، وفررت من ذلك المكان لا ألوي على شيء، وبقيت بعد ذلك الموقف سنين عدة مشتت الفكر، مشرد اللب، أنشد نفسي فلا أعثر عليها، ولا يرشدني مرشد اليها
حلب
فتاة الفرات