وكان من شأن هذا الضارب في أشتات الأمور أن يعثر في طريقه على كثير مما لم يقصد إليه. وكان هذا حاله مع الفُلفُل. الفلفل حريف لاذع فلماذا؟ سؤال خطر له يومًا فقال لنفسه: (قد يكون هذا بسبب نتوءات في الفلفل حادة تشك اللسان عند الأكل فتلذعه) ولم يكد يستقر هذا الخاطر في رأسه حتى قام يبحث عن هذه النتوءات
بدأ بالفلفل الجاف فطحنه ثم طحنه، وعَطس وعَرق، ولكن لم يبلغ به الطحن الصغرَ الكافي لرؤيته بالعدسة. فخال أن يلينه بالتبليل فنقعه في الماء بضعة أسابيع ثم جاء بإبرة حادة فمزق بها ذرات الفلفل فزادها صغرًا، ثم مصها مع قطرة ماء في إحدى شعرياته الزجاجية، وأخذ ينظر فيها، ولم يكد بفعل حتى نسي النتوءات التي كان يبحث عنها، وامتلأت نفسه واغتمر حسه بما وجد من جديد. ففي المواه الأخرى التي رآها كان يرى الحيوانات الصغيرة التي اكتشفها بقدر معتدل يقل حينًا ويزيد حينًا. أما في ماء الفلفل هذا فقد وجد هذه المخلوقات على تنوعها كثيرة العدد كثرة لا تصدق، وهي لا تزال في ازدحامها تهيم وتسبح في رشاقة وجمال
خرج (لوفن هوك) يبحث في الفلفل عن نتوءات، فوقع على طريقة يربى بها حيواناته وينميها ويكثرها
وعندئذ، وعندئذ فقط، شاء أن يكتب إلى لندن يخبرها بالذي كان. وملأ الصفحة بعد الصفحة بخط جميل ولغة بسيطة يشرح ما صنع، ويقول لهم إن حبة القمح تسع مليونًا من هذه الحيوانات، وأن ماء الفلفل يربيها ويكثرها حتى تحوي القطرة منه 2700000 منها. وتُرجم الكتاب إلى الإنجليزية وتلى على الجمعية فترك عاليها سافلًا. هؤلاء العلماء كانوا قد اطرحوا الخرافات، وكفروا بالذي كان في زمانهم من أباطيل وترهات، ثم يأتي هذا الهولاندي يحدثهم عن حيوان تسع قطرة الماء منه بقدر ما تسع هولندا من السكان! تلك خرافة من خرافات الأولين، ولا والله ما خلق اله حيًا أصغر من دودة الجبن
على أن نفرًا من هؤلاء العلماء لم يضفق بما سمع. فهذا الرجل كان محققًا مدققًا مفرطًا في تحقيقه وتدقيقه. وقد وجدوا صدقه في كل ما كتب لهم عنه. وعلى ذلك جاءه كتاب من لندن يرجونه فيه أن يشرح لهم بالتفصيل الطريقة التي صنع بها مكرسكوبه وأن يصف لهم كيف يستخدمها لرؤية ما يرى