ولكن أرفيوس يثبت غير هياب، ويتناول قيثارته غير وجل، ثم يعزف لحناُ من ألحانه الباكية فيزلزل به أركان شارون!
شارون! هذا الفظ، غليظ القلب، أقسى حراس جهنم، يذوب رقة ويمتلئ حنانًا ورحمة لما رأى وسمع، فيهرول إلى أرفيوس مستميحًا معتذرًا عما بدر منه من سوء اللقاء، وعبارات البذاء، ويسأله في لين ورفق عن حاجته فيجيب: (لا شيء إلا لقاء بلوتو!)
فيسأله شارون: (وكيف، وهذا بدنك لا يحتمل زفير الجحيم؟)
فيجيب أرفيوس: (لا عليك، ما دامت هذه - ويشير إلى القيثارة - بيميني)
فيقول شارون: (يا صاحبي أنت لا تعرف هول ما تريد أن تقتحم، وإني مخلص لك أمين؛ إنك غض الأهاب، موفور الشباب، وإن جهنم لا تبقى ولا تذر، وإنها أبدًا ترمي بشرر كالقصر، وإني أمحضك نصحًا علمتني موسيقاك كيف أمحضك إياه، وأستنقذك به من عذاب مقيم. . . ألا فلتفكر فيما أقدمت عليه، فان من دونه مهالك، وإن من دونه نكالًا وأهوالًا. . .)
وتبسم أرفيوس بسمة حزينة، كانت ردًا صامتًا على ما حذر شارون، ثم أعد قيثارته وانطلق يتغنى:
حملتُ جهنمًا في بعضِ قلبي ... وفي بعضٍ جراحاتٍ فنونا
فان حذرتني نارا، فإني ... أحذر نارك الدمع الهتونا
سأطفئها به حتى تراها ... تُذرف مثله صببًا سخينًا
تخوفني لظاك وفي فؤادي ... لظي من جُننت بها جنونا
إذًا ما الحب إن لم يكتنفه ... غرام لا يؤود العاشقينا؟
لقد ذُقْتُ البِلى في دار عيشي ... أفي دار البِلى أخشى المنونا؟
وما يكاد يفرغ من هذه الزفرة الحارة، حتى تتحدر الدموع من عيني شارون، ويتقدم إليه معتذرًا، فيحمله في الزورق، ويخوض به عباب تيكس، وما يكاد يفعل حتى يرى أرفيوس إلى تغيظ الموج وتلاطمه، فيسأل شارون عما يهيج النهر برغم سكون الريح، فيقول: (إنك، وأنت من أنت، من فوقه، سبب هياجه واصطخابه؛ ولو خُلي بينك وبينه لما أنجاك منه شيء حتى تكون في أعماقه!!) ولكن أرفيوس يبتسم ابتسامته الحزينة، ويتناول قيثارته