أشكى من مصر، أو أن هناك خلقًا من خلق الله يشكون بنسبة
18000000 مما يشكو المصريون!
كل هيأة في مصر تشكو، وكل طائفة فيها تشكو، وكل جماعة تشكو، وكل فرد يشكو. ما تنقطع لأحد من هؤلاء شكوى ما عاقب الليل النهار، حتى لو قيض لعالم مخترع مثل السنيور مركوني أن يحيل جميع المصريين إلى معنى من المعاني، لاستحالوا إلى شكوى يطن في الآفاق طنينها، ويئن في الأجواء أنينها، حتى لو كان ملائكة السماء خلفًا مثلنا، يجري عليهم ما يجري علينا من الضجر والقلق، ويدركهم ما يدركنا من السهر والأرق، لقضوا من شدة هتاف شكوانا آلاف الأعوام لا تذوق جفونهم الغمض ولا يزور عيونهم المنام!. ولكنهم، لحسن حظهم، أيقاظ على الدهر، ما يهفو بهم التعب إلى ضجعة، ولا يضطرهم النصب إلى هجعة! لا ترى أحدًا في مصر إلا يشكو، ولا تنقطع له شكوى على الزمان: هؤلاء الموظفون! أرأيتهم قد انقطعوا يومًا واحدًا عن شكواهم، وبث مظلمتهم وعظيم بلواهم؟. الدرجات الدرجات!. العلاوات العلاوات!. الترقيات الترقيات!. ارفعي يا حكومة ما حل بنا من حيف، فقد حبست عنا علاوات الشتاء! وأبطأت علينا في علاوات الصيف!
وهؤلاء الحجاب والسعاة، لا تراهم يدعون كل يوم إلا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، لأنهم أكثر خدام الحكومة تعبًا، وأحقرهم مرتبًا، وهيهات أن تفي بضعة الجنيهات، بما يزحمهم من وجوه المطالب في وجوه الحاجات، وقد أثقلتهم النفقة على الأهل والولد، بعد ما عم الغلاء هذا البلد، ولو كانت الحكومة على شيء من الإنصاف، لزادت مرتباتهم أضعافًا على أضعاف!
وهؤلاء رجال البوليس لا يفتأون يشكون الظلم اللاحق، والجور الحائق، فأعمالهم ثقيلة، ومهماتهم جليلة، ومع هذا فمرتباتهم قليلة، وعلاواتهم ضئيلة، ودرجاتهم هزيلة. والترقية إلى الدرجات مما يحتاج إلى طي الأحقاب، ودون ذلك مشيب الرجل بل مشيب الغراب! وهذا والله ما لا ينبغي أن يعامل به حفظة النظام، ومن يضحون برحتهم وأرواحهم في إقرار الأمن والسلام: