يعود فينقض أمره، ويعاقب على الأخذ به، كأن الذي نقض غير الذي أبرم، وكأنه حين يتبلد فيعجزه أن يخترع جديدًا - يجعل اختراعه إبطال اختراعه!
ورأيته كأنما يعتد نفسه مخ هذه الأمة، فلابد أن يكون عقلًا لعقولها، ثم لابد أن يستعلي الناس ويستبد بهم استبداد الشريعة في أمرها ونهيها، فكانت أعماله في جملتها هي نقض أعمال الشريعة الإسلامية، وظن أنه مستطيع محو ذلك العصر من أذهان الناس وقتل التاريخ الإسلامي بتاريخ قاتل سفاك
وسول له جنونه أن خلق تكذيبًا للنبوة؛ ثم افرط عليه الجنون فحصل في نفسه أنه خلق تكذيبًا للألوهية. وفي تكذيبه للنبوة والألوهية يحمل الأمة بالقهر والغلبة على ألا تصدق إلا به هو؛ وفي سبيل إثباته لنفسه صنع ما صنع، فجاء تاريخه لا ينفي ألوهية ولا نبوة، بل ينفي العقل عن صاحبه؛ وجاء هذا التاريخ في الإسلام ليتكلم يومًا في تاريخ الإسلام. . .
رأيتني أصبحت كاتبًا لهذا الحاكم، فجعلت أشهد أعماله وأدون تاريخه وأقبلت على ما أفردني به، وقلت في نفسي: (لقد وضعتني الدنيا موضعًا عزيزًا لم يرتفع إليه أحد من كتابها وأدبائها، فسأكتب عن هذا الدهر بعقل بينه وبين هذا الدهر 968 سنة صاعدة في العلم
ودونت عشرة مجلدات ضخمة انتهيت وأنا أحفظها كلها، فإذا هي جمل صغيرة، جعل الحلم كل نبذة منها سفرًا ضخمًا كما يخيل للنائم أنه عاش عمرًا طويلًا وأحدث أحداثًا ممتدة، على حين لا تكون الرؤيا إلا لحظة
وهذه هي المجلدات التي قلت: إن التاريخ يتكلم بها في التاريخ. . .
المجلد الأول
ابتلى هذا الطاغية بنقيصتين: إحداهما من نفسه والأخرى من غيره؛ فأما التي من نفسه فإني أراه قد خلق وفي مخه لفافة عصبية من يهودية جده رأس هذه الدعوة؛ فهو الحاكم بن العزيز بن المعز بن القاسم بن المهدي عبيد الله، ويقولون إن عبيد الله هذا كان ابن امرأة يهودية من حداد يهودي، فاتفق أن جرى ذكر النساء في مجلس الحسين بن محمد القداح فوصفوا له تلك المرأة اليهودية، وأنها آية في الحسن، وكان لها من الحداد ولد، فتزوجها الرجل وأدب ابنها وعلمه، ثم عرفه أسرار الدعوة العلوية وعهد إليه بها