فهذا بيت من مثلث الرجز، استشهد به سيبويه على صرف (حراء) حملًا على إرادة المكان. والبيت نسبه الأستاذ عبد السلام هارون للعجاج (66) ، وهو ليس في ديوانه. والصواب أنه لرؤبة من أرجوزة له مطلعها (67) :
يا أيها الكاسِرُ عينَ الأغصنِ
والقائلُ الأقوالَ ما لم يَلْقَني
وبيت الكتاب قبله قول رؤبة (68) :
بمحبسِ الهدى وبيتِ المُسْدَنِ
2 -ظَهْراهما مثلُ ظهورِ التُرسَيْنْ
ورد البيت منسوبًا إلى هميان بن قحافة في الطبعتين (69) ، وكذا نسبه الأعلم الشنتمري (70) . والمشهور نسبته إلى خطام المجاشعي (71) .
الأمر الثاني: إغفال نسبة بعض أبيات الكتاب الشعرية.
ومن أمثلته:
1 -فقال امكثي حتى يَسارِ لعلنا
نَحُجُّ معًا قالت أعامًا وقابِلَهْ
أنشده سيبويه شاهدًا على مجيء (يسار) معدولًا عن الميسرة، ولم ينسب البيت في الطبعتين (72) .
والبيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه برواية: (فقلت امكثي) (73) .
2 -نبا الخَزُّ عن دَوحٍ وأنكر جِلْدَه
وعَجَّتْ عجيجًا من جُذامَ المطارِفُ
أنشده سيبويه شاهدًا على منع صرف (جذام) على معنى القبيلة ولم ينسب في الطبعتين (74) . وهو لأم جعفر حميدة بنت النعمان بن بشير، وهو أحد بيتين قالتهما في هجو زوجها رَوح بن زِنباع بعد أن كرهته لكبر سنه، فطلقها بسببهما (75) .
قال الأعلم في شرحه للبيت:"وصف تمكن رَوح بن زِنباع الجذامي عند السلطان ولباسه الخز، وذكر أنه لم يكن من أهله، فهو ينبو عن جلده وينكره. والمطارف: جمع مطرف، وهو ثوب مُعلَّم الطَرف" (76) .
وبعد، فهذا غيض من فيض، فالطبعتان فيهما قصور في كثير من المواضع، ومع ذلك تلقّاهما الباحثون بالرضا والقبول الحسن، ولا نعلم كتابًا يبلغ أهمية كبيرة في المكتبة النحوية ككتاب سيبويه؛ فمن ثَمّ ما أشد حاجتنا اليوم إلى العناية به، وتخليص متنه مما علق به -سهوًا أو عمدًا- من زيادات وتعليقات ليست منه! لعلها كانت وراء اختلاف العلماء في النقل عن سيبويه وتحديد مذهبه في المسائل النحوية، بل نسبة آراء نحوية إليه لم يقل بها الرجل، فهي لنحوي أو لآخر ممن علّقوا على الكتاب أو شرحوه.
وإذا كان الأستاذ عبد السلام هارون -رحمه الله- قد بذل جهدًا مشكورًا في تحقيق الكتاب وإخراجه للمكتبة العربية، فلا يزال الكتاب بحاجة إلى تحقيق جديد أكثر دقة، يجمع ما يستطيع من نسخ الكتاب وشروحه، ويلتزم منهجًا علميًا في الترجيح بين الروايات، وفي تحقيق نصوص الكتاب وشواهده، ويفصل الحواشي والتعليقات عن المتن، ويحاول -جاهدًا- نسبتها إلى أصحابها، ويفسر ما غمض من عبارات الكتاب. إلى غير ذلك من الأهداف المتوخاة في تحقيق هذا الكتاب العمدة في الدراسات النحوية واللغوية.
ولا يخفى على كل ذي نظر أو مسكة من عقل وروية- أن هذا العبء لا يمكن أن ينهض به فرد واحد مهما وهبه الله من رجاحة عقل، ونفاذ بصيرة، وقوة عزيمة، وفضل وقت، وطول صبر، فالأستاذ عبد السلام هارون أوتي قدرًا كبيرًا مما ذكرته آنفًا، ولم يسلم تحقيقه من القصور، على الرغم من جلالة قدره وطول باعه في ميدان التحقيق، تشهد بذلك تصانيفه التي أتحف بها المكتبة العربية.
وكان شيخنا الدكتور/ محمود محمد الطناحي -رحمه الله- كثير الثناء عليه، ويعده من جلة المحققين، وأئمة المدققين. إذن فلا سبيل إلى تحقيقه تحقيقًا علميًا رائدًا إلا بإسناده إلى لجنة علمية سبرت أغوار المكتبة النحوية، وأوقفت حياتها على خدمة التراث اللغوي، ونذرت لله أن ترفع لواء العربية فوق ربى الدنيا بإخلاص ويقين.
وتشتد الحاجة اليوم -قبل البدء في هذه المهمة الجليلة- إلى توضيح أوجه القصور والأخطاء التي اشتملت عليها طبعتا الكتاب أولًا، لنسير في طريق نهجة، وبخطى واثقة نحو الهدف المنشود. وهذا ما أعكف عليه لأكمل رحلتي في عوالم كتاب سيبويه راجيًا أن تحقق هذه الرحلة نفعًا، وتَرْتِق فتقًا، وتسد خللًا، وتلبي مطلبًا إن شاء الله.
(1) نزهة الألباء في طبقات الأدباء، أبو البركات الأنباري؛ القاهرة، 1294هـ= 1876م، ص 184.
(2) المرجع السابق ص 184.
(3) الأشباه والنظائر في النحو، السيوطي، تحقيق د. عبد الإله نبهان وآخرين، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، دمشق، 1407هـ= 1987م، حـ4، ص 57.
(يُتْبَعُ)