ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً؛ فتأمل كيف وصف صاحبَه الكافر بالكفر، ثم نره نفسه منه معبِّراً عنه بمرادِفِه وهو الشرك؛ فقال. {وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} . وهذا الشرك مما وصَف به الكافرُ نفسَه فيما يأتي؛ فتابع قوله تعالى - بعد أن ذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} .
قلت: فهذا القول منه - مع سباق القصة - صريح جداً في أن شركه إنما هو شَكُّه في الآخرة، وهذا كفر وليس بشرك في رأي الطحاوي! فهو باطل ظاهر البطلان.
وإن مما يؤكد ذلك من السنة قوله - صلى الله عليه وآله وسلم:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
رواه الشيخان وغيرهما عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وهو مخرج في"الصحيحة"برقم (1133) ، فإن المراد بهم اليهود والنصارى؛ كما دلت على ذلك أحاديث أخر، منها قوله - صلى الله عليه وآله وسلم: «لئن عشت؛ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك فيها إلا مسلماً» .
رواه مسلم وغيره وهو مخرج هناك (1134) .
ولما كان حديث ابن عباس حجة قاطعة في الموضوع؛ غمز من صحته الطحاوي عصباً لمذهبه - مع الأسف -! وزعم أنه وهم من ابن عيينة قال (4/ 16) :"لأنه كان يحدث من حفظه؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان (اليهود والنصارى) : (المشركين) (!) ولم يكن معه من الفقه ما يميزبه بين ذلك"! كذا قال سامحه الله! فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة - كابن عيينة - من حفظه ليس