المسائل العلميات، والفروعيات هي المسائل العملية (وهذا تفريق باطل أيضًا، فإن المطلوب من العمليات) [1] أمران: العلم والعمل، والمطلوب من العلميات العلم والعمل أيضًا، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصورًا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب، من حب ما جاء به والرضا به وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جدًا، به تعرف حقيقة الإيمان.
فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل"."
فتحرر من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن التفريق المذكور مع كونه باطلًا بالإجماع لمخالفته ما جرى عليه السلف، وتظاهر الأدلة المتقدمة على مخالفته، فهو باطل أيضًا من جهة تصور المفرقين عدم وجوب اقتران العلم بالعمل، والعمل بالعلم، وهذه نقطة هامة جدًا تساعد المؤمن على تفهم الموضوع جيدًا، والإيمان ببطلان التفريق المذكور يقينًا.
"الحديث حجة بنفسه" (ص60 - 62)
(1) الأصل:"والمطلوب منها أمران"ولعل ما أثبتناه أقرب إلى الصواب. [منه] .