ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، ويقول: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} 1، وقد تأول النحاة هذه الآيات؛ بتقدير حذف الجواب أو بغير هذا، ولا داعي للتأول في القرآن بغير حاجة شديدة، وإذا كنا نقبل التأول في القرآن فلم لا نقبله في كلام من يحاكي القرآن؟ نعم نقبل محاكاته، وندع التأول لمن يتخذه شرطًا للقبول؛ فالنتيجة الأخيرة واحدة، هي صحة الاستعمال، وصحة تأليف الأسلوب على نسق القرآن، وقد جاء في كتاب:"مجمع البيان لعلوم القرآن"للطبرسي ج 3 ص 155 في إعرابه قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّه} ما نصه: إذا، بمنزلة"الفاء"في تعليقه الجملة بالشرط. ا. هـ، يريد: ربط جملة جواب"لما"بشرطها، وهذا يؤيد ما قلناه.
وقد رأيت الجواب ماضيًا مقترنًا بالفاء أو أنه محذوف إن أخذنا بالرأي السالف في خطبة عائشة تدافع على أبيها، وتذكر مناقبه بعد موته وهي الخطبة الرائعة التي نقلها، وشرحها العلامة اللغوي محمد بن القاسم الأنباري"المتوفى سنة 327 هـ"، وقد جاء فيها قولها:"... أبى، والله لا تعطوه2 الأيدي، وذاك طود منيف3، وظل مديد ... فتى قريش ناشئًا، وكهفها كهلًا ... فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم اضطرب حبل الدين، ومرج4 عهده، وماج أهله ... وأنى والصديق بين أظهرهم؛ فقام حاسرًا مشمرًا ... فلما انتاش5 الدين، فنعشه، وأراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، فلما حضرته منيته ففسد ثلمته بنظيره في المعدلة، وشقيقه في السيرة والمرحمة؛ ذاك ابن الخطاب ..."ففي المنقول هنا من الخطبة ووقع جواب"لما"ماضيًا مقرونًا بالفاء في موضعين هما:"فنعشه"و"فسد"... إلا على الرأي القائل إنه محذوف.
والخطبة كاملة مشروحة في الجزء الثالث من مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عدد تموز"يوليو"سنة 1962 م المحرم سنة 1382 هـ ص 414.
هذا"ولا مانع أن يتقدم جواب لما"عليها ما ورد في بعض المراجع اللغوية6.
1 وكذلك قوله تعالى في قوم موسى: {َلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ} .
2 لا تعطوه: لا تصل إليه.
3 مرتفع.
4 اضطرب.
5 انتشل وانتزع.
6 فقد جاء في:"تاج العروس، شرح القاموس"عند الكلام عليها ما نصه: =