قوله: «فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم؛ عُبدت» ، رواية البخاري: «ونُسخ العلم عُبدت» أي: لما دَرَسَت آثار العلم بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك عبدوها مع الله؛ ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» الإطراء: مجاوزة الحد في المدح، وقد وقع في هذا الإطراء كثير من هذه الأمة، وقالوا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجيب من دعاه، ويعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله كما اشتهر ذلك في نظم البوصيري في البردة حيث قال:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حُلول الحادث العَمِمِ!!
وقال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فأي إطراء وأي غلو، وأي شرك أعظم من هذا، قال الله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] .
قوله: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقادات، والأعمال وسبب هذا اللفظ رمي الجمار.
قوله: «هلك المتنطعون» قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم.
ومن التنطع: الامتناع من المباح مطلقًا، كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز، ومن لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء. ويظن أن هذا من الزهد المستحب. انتهى. وبالله التوفيق.
19 -باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند