والعبد مأمورٌ باتقاء أسباب الشر، والله سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات لا خالق غيره ولا مقدر سواه، وقد روى أبو داود، والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم: أخذ بيد مجزوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: «كل بسم الله ثقة بالله وتوكلًا عليه» وهذا محمول على من قَويَ توكله، فإن أصابه شيء لم يقل لو أني لم أفعل لم يصبني.
وفي الحديث الآخر: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» .
قوله: «ولا طيرة» أي: لا تأثير لها فلا تصدكم.
قال الحافظ: وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير، طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك. انتهى.
وكان بعض عقلاء الجاهلية ينكرون ذلك قال الشاعر:
الزجر والطير والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال
قوله: «لا هامة» الهامة: البومة.
قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله.
قوله: «ولا صفر» كان أهل الجاهلية يتشاءمون شهر صفر فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
قوله: «ولا نوء ولا غول» النوء واحد الأنواء، أي: لا تأثير له وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
والغول: واحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، أي: لا تستطيع أن تضل أحدًا مع ذكر الله والتوكل عليه. وفي الحديث الآخر: «لا غول، ولكن الساعي سحرة الجن» . وفي الحديث الآخر: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان» أي: ادفعوا شرها بذكر الله.