فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 140

ذكره، فإذا امتلأ العَامىُّ والصبى من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يقود إليه الحسُّ، قيل له: (( ليس كمثله شيء ) )فَمُحِىَ من قلبه ما توهمه الخيال. قال ابن الجوزى:"وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يكفون من الحسّ، فيقنع الشارع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه، فأما إذا ابتدأنا بالعامىّ .. فقلنا ليس في السماء ولا على العرش ولا يوصف بيد، والكلام صفة قائمة بذاته ليس عندنا منه شىء، وأنه لا يتصوَّر نزوله .. أمَّحى من نفسه تعظيم المصحف، بل لم يتحقق في سرِّه إثبات إله، وهذه جناية عظمى على الأنبياء ..". يعنى أن هذا المسلك العقلى المحض يهدم ما اجتهد الأنبياء في تأسيسه، وأخذ الناس به، والأمر لا يحتاج إلى تأويل اليد بالنعمة أو القدرة، ولا أن نشرح حديث القلوب بين أصبعين بأن القلوب بين أثرين من آثار الربوبية، هما: الإقامة على الحق أو الإزاغة عنه .. إلى آخر ما ذكره أصحاب التأويل في المتشابهات، وأصلح ما يقال: أمرُّوا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتمحلوا لها تأويلا. قال ابن الجوزى بعد شرح لرأيه: ومن فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسِّمة، وتعطيل المعطِّلة، ووقف على جادّة السلف الأول .. إن نُقَّاد ابن الجوزى اتهموه بالتناقض! وهذا ظلم للرجل، فهو شديد الحرص على حقائق الدين، وعلى تنزيه الله وتمجيده، وقد كان لزاما عليه أن ينقذ الإسلام من صنفين خطيرين: أصحاب التصوير المادى الساذج الذين يفهمون الألوهية بخيال الأطفال. وأصحاب التجريد العقلى الذين يصوِّرون الألوهية مفهوما يرتفع ويرتفع، ولا يزال يرتفع حتى يغيب عن الأنظار والأفكار .. ص _104

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت