حيث انفصل هذا عن ذاك في واقعنا الإسلامى انفصالا مرّا .. ونحن نعلم أن كتب التصوف تملأ المكتبات، وأن الطرق الصوفية زحمت العالم الإسلامى دهرا، وأن الاستغناء ممكن عن هذه الطرق بل قد تصلح الحياة وترشد بدون هذه الطرق - لكنها لا تصلح ولا ترشد إذا بقى القلب الإنسانى دون تعهد فقيه - بمعنى أن التربية أساس في تكوين الأمم، والتربية التى لابد منها كى تكون النفوس راشدة والمجتمعات فاضلة، هى التى تقوم على فهم مقام الإحسان، أو رقابة الله على الضمير البشرى في سلوكه كله، ليله ونهاره .. هذه الرقابة هى التى ينشأ عنها الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والمحبة والورع والتوبة ومعرفة المعاصى الكبيرة التى هى أخطر من معاصى الأبدان، بمعنى أنه كيف تغسل النفوس من حب الظهور .. من الأنانية .. من الحقد .. من طلب الرئاسة .. من العراك على المآرب الخسيسة .. من الذهول في طلب الدنيا عن الآخرة .. هذا كله إذا فقدناه فإن هيكلا تشريعيا كبيرا لا يغنى مكانه، وكان مفروضا أن العلماء يربون الأجيال ابتداء على هذه المعانى، فإن هذا ما بنى عليه المجتمع الأول. وعندما تتأمل تراث ابن تيمية - الذى يعتبر خصما للصوفية - أو ابن القيم تلميذه، فإنك ترى أن ابن تيمية رصد جزأين من فتاواه تقريبا في القلوب والحديث عن الله وخشيته والعمل له والإخلاص والإحسان، وما إلى ذلك من المعانى التى خاض فيها المتصوفة بدون وعى فقهى ... وجاء تلميذه ابن القيم وفصَّل هذا في كتابه"طريق الهجرتين"وكتابه"مدارج السالكين".. وكتاب"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"على ما أظن - وكتب كثيرة .. وكان أكثر من أستاذه توسعا في هذه النواحي ... هذه المعانى معدومة الآن، ونجد من يعلم حركات الصلاة من ركوع وسجود ولا يحسن تعليم الخشوع وتقديس الله وسجود القلب مع سجود الجوارح .. وهذا خطأ هائل .. ص _127