عليها بنو النضير - وكيف أخذهم الله بسبب واقع اجتماعى معين - وأن كل من يصيبه هذا الواقع سينتهى إلى النهاية نفسها وهى أقرب للفقه الاجتماعى منها إلى الفقه التشريعى، ونلمح بأن هذا لون من الفقه للسنن الاجتماعية - عمليّا - صرف إلى الفقه التشريعى وبقيت القضية الاجتماعية أو الفقه الاجتماعى أو السنن المتعلقة بقيام الأمم وسقوط الأمم وقضايا المال بقيت قضايا ضامرة .. ومن الناحية النظرية استطاع أئمتنا من قديم أن يضعوا قواعد تشريعية مثالية في هذه النواحى - فمالك وبعض المذاهب الأخرى اعتمدوا مبدأ المصلحة المرسلة والحنفية اعتمدوا مبدأ الاستحسان، والحنابلة لهم فقه مرن جدّا في ميدان المعاملات يكاد يكون أكثر سماحة واتساعا من الفقه الحنفى - لأنهم يرون أن العقود ابتداء في الأصل مباحة أما غيرهم فيرى أنها محظورة، ولهم في هذا مجال واسع - لكن .. ويبقى هذا في إطار الفقه التشريعى فالذى جعل هذا الفقه لم يأخذ امتداده العملى، بحيث تمتد المبادئ وتتورع على شبكة تشريعات تشمل المجتمع كله .. هو الخصام الذى وقع بين الحكم والعلم الدينى .. فإن الأئمة الأربعة تقريبا كانت بينهم وبين الحكام جفوة .. أبو حنيفة قُتل في السجن - على الأشهر أو على الأغلب - ومالك ضرب لأنه أفتى فتوى أغضبت الحاكم في عهده، وابن حنبل ضُرب ضربا مبرحا وكاد يموت في سجنه، لولا أن الله لطف به، والشافعى قُبض علية وامتنع عن القضاء لأنه وجد أن الأمور تسير سيرا سيئا .. فهذه الناحية التشريعية قد جاء ضمورها من الخلاف .. فالضمور سببه الخلاف بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية إذا صح التعبير. لذلك يجب أن نعقد صلحا بين الاتجاهين، بين الاتجاه الثقافى والاتجاه السياسى. ويمكن أن نعتبر أن التخلف والارتكاس يمكن أن يكرس ويستمر طالما أن هذا الافتراق حاصل بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية. وسيبقى التخلف حتما .. وهذا أشبه بالانفصال الشبكى الذى يُفقد المرء البصر .. وفى اعتقادى أن شيئا من هذا - أيضا - وقع بين المفكرين أنفسهم. وإذا كنا نلحظ في تاريخنا انفصالا بين الفكر السياسى والفكر الثقافى التشريعى عندنا - فهناك انفصال وقع بين الفقه التربوى والتشريعى أيضا - فانفصل ما يسمى بعلم القلوب أو علم التصوف أو علم التربية .. أو ما أسموه الحقيقة والشريعة. ص _126