أمانات مسئولة، والقيام عليها عقد مَرْعىُّ الذمام.. ص _017
لكن المسلمين للأسف الشديد أكثر الأمم إضاعة لهذه الأمانات والعهود، والأعمال الرسمية في بلادهم مهدرة الحرمة، والوظيفة مصدر للأخذ أكثر مما هى وسيلة إلى العطاء.. وجهالة المسلمين فاحشة بفروض الكفاية وطبيعتها وآثارها. ويرجع ذلك - عند بعض المتدينين - إلى أنهم يفرقون بين صور العبادات المأثورة، وأداء الأعمال المدنية المختلفة، الأولى عندهم دين، والأخرى ليست عبادة إلاَّ على ضرب من التجوُّز. رأيت بعضهم على مكتبه جالسًا بادى السآمة، يجيئه النَّاس لحاجاتهم فيرجئ ما يشاء، ويهمل ما يشاء، حتى إذا اقترب وقت الظهر شرع يستعدُّ له قبل الأوان.. قلت له: إن ما تقوم عنه ليس بأهون مما تقوم له. ونشاطك في إنجاز مصالح النَّاس في أخصر وقت، وعلى أحسن وجه دين، وهو واجب كالصلاة والصيام! قال: إننا نستعد للصلاة المكتوبة، وسنؤدى عملنا بعد أداء حق الله! قلت: جميل أن تحرص على الصَّلاة في وقتها، ولا عليك أن تصليها أول الوقت أو وسطه! وخير لك أن تعجل بإنجاز عمل هذا القادم من بلده، القَلِق على مصلحته، خاصة وأن الصَّلاة تربى الإنسان على الشعور بالواجب، ولا تستغرق من الزمن أكثر من بضع دقائق معدودة. ونحن لا نهوِّن من شأن الصلاة المكتوبة وأدائها على وقتها، ويمكن وضع نظام لأدائها جماعة أول الوقت، أو بعد انتهاء المحاضرة في المدرسة، والنوبة في المصنع، والجراحات والكشوف في المستشفى، ويحدد لذلك زمن معتدل لا يستغله أهل البطالة. أما عدُّ الأعمال العامة شيئًا تافهًا، أو شيئًا يقبل فيه العبث والتسويف فهذا تضييع لفرض يحرم تضييعه. * * * ص _018