إن فرض الكفاية يأخذ هذه التسمية قبل أن يختار الشخص المناسب ويتحدد الجهد المطلوب! أما بعد الاختيار والتحديد فإنه يتحول إلى فرض عين، وعلى من كُلِّف به أن يستفرغ الوسع في إتمامه. ولنزد الأمر وضوحًا.. الصَّلاة فرض عين لأن كل إنسان يستطيع الصلاة فما يُستثنى أحدٌ من وجوبها، أمَّا القضاء والتدريس والهندسة فهى فروض كفاية لأنه ليس كل إنسان يقدر أن يكون قاضيًا، أومدرسًا أو مهندسًا. فإذا ترشح امرؤ بمؤهلاته العلمية للقضاء، وعينته الدولة في المنصب المعدِّ له، فإن قيامه بأعباء منصبه هذا أصبح فرض عين كالصلاة والصيام، ومايجوز له أن يتراخى فيه أويفرط، وكل ذرَّة من استهانة أوخيانة فهى عصيان لله، واعتداء على الدين، ولايقبل أبدًا الاعتذار بأن ذلك وقع في فرض كفاية. إن الجهد البشرى يجب أن يوزع بالقسطاس المستقيم بين الصَّلاة المفروضة عليه والقضاء المطلوب منه، حتى يشيع العدل في المجتمع وتبلغ الحقوق أصحابها. وربما استغرقت دراسة القضايا عشرة أضعاف الوقت الذى تستغرقه إقامة الصلاة! ليكن، فهذه عبادة وتلك عبادة، وفروض الكفاية غالبًا تأخذ من الوقت أكثر مما تأخذ فروض العين، ولعلَّها تستغرق أعمار النَّاس، ليكن، فذلك هو الطريق لإرضاء الله، وحماية الأمة، والحفاظ على الدين، وإنشاء دنيا تصونه وتنميه. وما يقال في القضاء، يقال في التدريس، والتطبيب، وفى كل مهنة تحتاج الأمة إليها ويرتبط قيامها بها. والجماعات البشرية في القارات الخمس تدرك هذه الحقيقة، وتنشىء ألوفًا مؤلفة من الوظائف، وتعين ألوفًا مؤلفة من الأشخاص، وتقر نفقات ضخمة في موازناتها العامة، لكى تضمن هذه المصالح. والمطلوب من كل مكلَّف أن يؤدى العمل على خير وجه، وأن يوفى بالعقد الذى التزم به مع الدولة، وهى لن تضنّ عليه بما يطمئنه. وأعتقد أن ذلك بعض ما يعنيه قوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) فإن المناصب كلها