فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 140

وقد ألفنا أن نتلقى الدين كلاما أو رسوما، بيد أن هذا التلقى لا يصنع زكاة الأنفس، ولن تفلح نفس فقدت هذه الزكاة، ولن يفلح امرؤإذا تحرك عقله تحركت معه قيود الخرافة أو الأوهام التى نسجها الخيال. والعناصر المؤثرة في التربية لابد من تجانسها وتناسقها، أى: لابد أن ينتظمها ولاء واحد، وأن تتدافع إلى هدف واحد، فإذا كان البيت مسلمًا ملتزمًا بتعاليم الدين فإن عمله سيبطل أويضعف إذا كانت الحكومة علمانية والمدرسة مدنية. والخلل الذى نلاحظه على المسلمين المعاصرين يعود كثِفْلٌ ضخم منه على هذا التقطع والتضاد في وسائل التوجيه، فإن الاستعمار العالمى استمات في إقامة أجهزة اجتماعية واقتصادية وسياسية تضرب التربية الإسلامية بخبث وقساوة، فما ينجو إلا من عصم الله. وأكره أن أحمِّل الاستعمار كل هزائمنا المادية والأدبية، وأن أفرَّ من تبعات التقصير الذى عرقل خُطاى من قديم، إننا نحن المسلمين عُنينا بجانب من الأخلاق وأهملنا جوانب ذات بال، وظننَّا أن هذا الإهمال يغفر أو يُجبر بالانتماء إلى عقيدة ما، والمداومة على عبادة ما. أخذنا من الأخلاق جوانبها القريبة، فقد نفهم الأمانة على أنها الوديعة، ونردّ ما استودعنا الآخرون إياه، أما أن المنصب أمانة، لا يجوز استغلاله لمأرب خاص، ولا يجوز الإخلال بأعبائه الجسام فهذا شأن آخر ..! ويغلب أن يكون طلب المنصب للاستغناء والاستعلاء، والبحث عن الذات لا البحث عن مصالح الأمة .. والصدق خلق معروف، ويغلب أن نصدق في القول لا في العمل، لأن الصدق في العمل صعب، إنه إحقاق الحق وإبطال الباطل، والتزام السنن التى قامت عليها السماوات والأرض. وقد يتقاضانا هذا أن ننتخب الأصلح، ولو كان من غير قرابتنا، وأن نؤثر بالوظيفة فقيرًا ونطرح غنيًّا، وليس يقدر على هذا إلا الرجال. وحب النفس من طباع البشر، فإلى أى مدى يهيمن هذا الطبع على مسالكنا؟ إن السيادة تقدم، فيسبق الرجل المرأة، ويتخطى الكبير الصغير، ويتحرك هذا الشعور الهابط في عشرات المعاملات! الكل يقول: نفسى نفسى! فهل هذا السلوك هو التفسير المنتظر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه"؟ ص _037

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت