فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 140

فى مثل هذا التناقض الغريب ليس نادر الحدوث، فهو شائع على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول عندما تتجاهل قيمة ما تملكه بالفعل.

2 -مغالطة شائعة أيضا فيما يتعلق باستعمال اللغة العربية يرددها كثير من العلماء، مؤداها أن اللغة العربية عاجزة عن استيعاب التقدم العلمى والمصطلحات العلمية والحضارية التى نشأت في لغات أخرى. ولن نرد على هذه المغالطة أو هذا الخطأ بمحاولة ترديد ما قيل كثيرا عن خصوبة اللغة العربية وغناها وقدرتها غير المحدودة على استيعاب كل مصطلحات العلم الحديث عن طريق البحث في التراث، أو عن طريق الاشتقاق، أو نحت ألفاظ جديدة، ولن نرد أيضا على هذه المغالطة بالاستشهاد بعدد غير قليل من المحاولات العلمية الناجحة سواء بُذلت بواسطة أفراد أو جماعات أو هيئات (مثل مجامع اللغة العربية) والتى تم فيها نقل مصطلحات العلم الحديث والحضارة المعاصرة إلى اللغة العربية. وأثبتت هذه المحاولات بالفعل - رغم وجود بعض نواحى النقص فيها - قدرة اللغة العربية - ربما أكثر من لغات أخرى كثيرة - على استيعاب كل مصطلحات الحضارة الحديثة. كما أننا لن نرد على هذه المغالطة وهذا الخطأ بمحاولة تذكير القائلين به بما كان عليه الحال في عصور الحضارة العربية الإسلامية، وازدهار العلم والفلسفة العربية عندما كانت اللغة العربية تستوعب العلوم المختلفة، وتمتلك من الغنى والخصوبة والتجدد ما يجعلها قادرة على التعبير والتأثير، سواء في العلوم التى نشأت في ظل الحضارة العربية أو التى نقلت إليها عن طريق الترجمة وخاصة العلوم والفلسفة الإغريقية. كل ذلك ربما كان معروفا تماما للقائلين بعجز اللغة العربية، وإذن ربما يكون مفيدا أكثر أن نحاول اكتشاف الأسباب الدافعة للوقوع في هذا الخطأ أو هذه المغالطة، وأعتقد أن الأسباب لا تخرج عن أحد الاحتمالات الآتية:

(أ) أن يكون القائلون بعجز اللغة العربية لا يفهمون لغتهم الأم فهما جيدا، ولا يعرفون قدرتها وإمكاناتها الهائلة، لكنه يجب أن نذكرهم دائما بأنه مهما كان تعمقهم وتبحرهم في اللغات الأجنبية التى يستعملونها، فسوف يظلون عاجزين عن معرفة كل أسرارها، لأنها رغم كل شىء ليست لغتهم الأم. ص _068

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت