فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 140

نعم كانت لنا على هذه الأرض حضارة أقمناها يوم كنا حملة وحى، وصلةً بين الأرض والسماء، فلما خُنَّا كتابنا، وأرخصنا رسالتنا طاردتنا نقمة رهيبة، وفقد كل شىء، أو كما قال أبو تمام:

ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها، وكأنهم أحلام .. !!

والأعجب من هذا التاريخ أن أصحابه لا يذكرونه، ولا يستخلصون منه عبرة!! مالى أذهب بعيدا عن موضوعى؟ إننى أريد الكلام فيما يسمى بالشعر المنثور، وقد نقلت نموذجا منه للشاعر الإسبانى"مانويل ما تشادو"فلأذكر النموذج الآخر الذى أعجبنى للشاعر الأميركى"جون هانيز""من مقال للأستاذ درويش مصطفى الفار"كلما نظرت إلى اللبن مسكوبا على المائدة ورأيت الأكواب ملقاة بغير عناية تذكرت كل الأبقار التى تشقى .. وضياع"الأطنان"من الحشائش في المرعى ومعاناة الضروع التى تمتلئ لتحلب وأشجار الغابات التى تجتثُّ لصناعة الورق و"ملايين"الشموع التى تحترق هباء فعلى كل مائدة في العالم المتخم تنسكب الألبان ضائعة ويحاول"ملايين"الأطفال الغرثى التقاطها بقطع الإسفنج دون جدوى .. ! هل هذه النظرة مادية؟ هل الشاعر الأميركى يتألم للدولارات الضائعة؟ من الظلم أن نوجه إليه هذه التهمة، إن الرجل يمقت الإسراف، وإراقة نعم الله على الثرى. تصور اللقمة التى ترمى بها دون اكتراث، كم سنبلة قمح بها؟ كم بذل الفلاح من جهد حتى حصدها؟ وكم بذل غيره من جهد حتى أوصلها إلى يدك؟ أما كان الأولى أن تصان لينتفع بها فقير بدل أن تستقر في صناديق القمامة؟ لكن التبذير يزين لأصحابه ازدراء كل شراء، والاستهانة بمواقعه، ولأمر ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت