فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 140

أبو شادى"نحالًا"يزكى نحل العسل، فقال أحد الظرفاء:"إن أبا شادى مغرم بكل ما يلسع: بتربية النحل وقرض الشعر"!! وأشهد أن شعر أبى شادى كان أنظف ألف مرة مما يسمى في عصرنا هذا بالشعر المرسل .. فقد كان لكلامه نظم موسيقى ومحور يدور عليه .. أما الأشخاص الذين يحلو لهم حمل لقب"شاعر"دون أى نصاب من القدرة على النظم الموزون، والمعنى الرائق فأمرهم يستثير الدهشة والغضب .. !! وأريد أن أصفهم بصدق ليعرف الناس: ما هم؟ إذا لمحت عينى ما يسمَّى بالشعر المنثور تجاوزته على عجل، لأنى من طول ما بلوته يئست أن أجد فيه معنى جادًا، أو شعورا صادقا أو فكرة واضحة! غير أنى أحيانا أقرأ ما يترجم من الشعر الأجنبيّ لأتعرف على ألوان الحسّ التى تخامر شتى الأجناس، ولأصل الرحم الإنسانية بيننا وبين الآخرين .. وشاء الله أن أقرأ خلال فترة قصيرة كلمات، ولا أقول أبياتا لشاعرين، أحدهما: أميركى، والآخر: إسبانى، تريثت وأنا أطالعها إذ استبانت لى من خلال السطور حقائق بالغة الوضوح جديرة بالاحترام. أما الشاعر الإسبانى فيذكر في شعره المرسل - هكذا ترجم لنا - أن في أصله عرقا عربيا، ومن ثَمّ فهو يتغنى بالحضارة التى أينعت في الأندلس ثمانية قرون، ويومئ إلى شعاعاتها التى أضاءت أوروبا خلال العصور الوسطى، ويذكر في ألفاظ خاطفة كيف أمّحت هذه الحضارة، أو كيف انتحر أصحابها! وهاكم كلمات الشعر الإسبانى (عن الحضارة العربية في أسبانيا، للدكتور محمود على مكى) : أنا مثل أولئك القوم الذين عمروا أرض أجدادى أنا من جنس كان قديما صديقا للشمس!! أنا من أولئك الذين كسبوا كلَّ شىء وفقدوا كل شىء .. وروحى هى روح الزنابق العربية الإسبانية .. إن هذه الكلمات أهاجت في نفسى عاصفة ترابية، كرياح الخريف التى تهب بغتة، فتثير الغبار، وتحمل الأوراق الجافة، وتحرك معانى البلى .. ص _073

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت