كان صديقى محمد مصطفى حمام رحمه الله مولعا بتقليد هذا الشعر المرسل، والضحك من قائليه، فجاءنى يومًا يقول: اسمع هذه القصيدة. تحت شجرة الأبدية .. جلس الدهر يتفلَّى وجلست معه أرمق الأفق البعيد .. على شاطىء مديد من الصخور اللينة .. هناك في الجزر التى تبارز الأمواج .. كانت حبيبتى تحيا مع الغزلان وبقر الوحش .. أين أنت يا حبيبتى .. ؟؟ فقلت له مصححا: أين أنت يا مصيبتى؟ هكذا قال الشاعر، أو كذلك يجب أن يقول! ومع ذلك فهذا الهزل المصنوع أكثر تماسكا من الشعر المرسل الذى انتشر في صحفنا انتشار القمامات في الطرق المهملة .. ذلكم صنيع الاستعمار الثقافى بنا، وبلغتنا، وتراثنا الأدبى، وخصائصنا الفنية! وقد راقبت إنتاج ذوى الأسماء اللامعة في هذا الميدان المبتدع، فوجدت السمة الغالبة على هذا اللغو المسمَّى شعرا لا تتخلف أبدا .. التفكير المشوش أو اللا تفكير، والتعبير الذى يجمع الألفاظ بالإكراه من هنا ومن هنا ويحاول وضعها في أماكنها، وتحاول هى الفرار من هذه الأماكن .. والسؤال الذى يتردد باستمرار لماذا أيها القوم تسمون أنفسكم شعراء إذا كنتم لا تحسنون قرض الشعر وبناء القصيدة؟ لماذا لا تحاولون أن تكونوا ناثرين بعد استكمال القدرة العقلية واللغوية؟ ومن العجائب أن هذا العجز الأدبى يلبس ثياب البطولة، فعندما مات صلاح عبد الصبور، غفر الله له، نشر الرسامون الهزليون صورة لتمثال أقيم له وقد نقشت في قاعدته هذه العبارة"فارس الكلمة"! ص _077