قلت: لما عقدوا أول مؤتمر عالمى لهم في سويسرا كى يقيموا دولتهم، ووصلوا إلى مخطط مدروس، قال رئيسهم"هرتزل": ستقوم"إسرائيل"بعد خمسين سنة! وقامت بعد خمسين سنة .. ! إن الرجل لم يعمل لنفسه ولا لأولاده، إنه يغرس لمدىً بعيد، ربما لا يذوق جناه إلا الأحفاد! ليس مهما أن يرى هو نتاج ما فعل، المهم أن يصل إلى غايته .. وإنما قدّر الرجل نصف قرن لأنه يريد الخلاص من مشكلات تراكمت خلال قرون طوال، لا يمكن الخلاص منها بجرة قلم أو بصيحة حماس! ومن الظلم أن أُحمِّل الجيل المعاصر أوزار الهزائم الهائلة التى لحقت بنا، إنها حصاد خيانات اجتماعية وسياسية وقعت من زمان غير قصير، فكيف تفكرون في إزالتها بخطط مرتجلة وجهود قاصرة؟ إن رسولنا صلى الله عليه وسلم يوم صَاح بعقيدة التوحيد كانت مئات الأصنام صفوفا داخل الكعبة وحولها، وقد ظل ثلاثا وعشرين سنة يدعو، تدرى متى هَدَمَ هذه الأصنام؟ في السنة الحادية والعشرين من بدء الدعوة!!. إنه ما فكر حتى في عمرة القضاء أن يمسَّ منها وثنا - أى قبل فتح مكة بسنة - أما أنتم فتريدون الدعوة إلى التوحيد في الصباح، وشنَّ حملة لتحطيم الأصنام في الأصيل! والنتيجة التى لا محيص عنها مصارع متتابعة، ومتاعب متلاحقة، ونزق يحمل الإسلام مغارمه دون جدوى! وأريد أن أؤكد للشباب أن إقامة دين شىء، واستيلاء جماعة من الناس على الحكم شىء آخر، فإن إقامة دين تتطلب مقادير كبيرة من اليقين والإخلاص ونقاوة الصلة بالله، كما تتطلب خبرة رحبة بالحياة والناس والأصدقاء والخصوم، ثم حكمة، تؤيدها العناية العليا في الفعل والترك والسلم والحرب .. ! إن أناسا حكموا باسم الإسلام، ففضحوا أنفسهم، وفضحوا الإسلام معهم!! فكم من طالب حكم يؤزه إلى نشدان السلطة حب الذات، وطلب الثناء، وجنون العظمة!! وكم من طالب حكم لا يدرى شيئا عن العلاقات الدولية، والتيارات العالمية والمؤامرات السرية والجهرية!! ص _084