فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 140

والمفروض في العبادات التى شرعها الله للناس أن تزكى السرائر، وتقيها العلل الباطنة والظاهرة، وتعصم السلوك الإنسانى عن العوج والإسفاف، والجور والاعتساف. وكان هذا يتم حتما لو أن العابدين تجاوزوا صور الطاعات إلى حقائقها! وسجدت ضمائرهم وبصائرهم لله عندما تسجد جوارحهم، وتحَرَّك أَنْفَسُ ما في كيانهم - وهو القلب واللب - عندما تتحرك ألسنتهم .. أما إذا وقفت العبادات عند القشور الظاهرة، والسطوح المزوَّرة، فإنها لا ترفع خسيسة ولا تشفى سقاما. وقد كتبت يومًا كلمة عن"الحطئية عندما يشتغل بالدعوة"وتساءلت: ماذا تنتظر من رجل طبيعته شرسة إلا الوعظ بقوارص الكلم وسىء العبارات؟ إن طبائع بعض الناس تحوِّل الدين عن وجهته إلى وجهتها هى، فبدل أن تهدى تصدُّ! وبدل أن تسدى تسلب! وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة نفر من الأحبار والرهبان، جعلوا الدين كهانة تفسد بها الفطرة، وتصطاد بها المنفعة. (إن كثيرا من الأحبار و الرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل و يصدون عن سبيل الله) وهذا النوع من الناس آفة الأديان كلها، وفيه يقول الشاعر:

وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها ..

فباعوا النفوس ولم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها!

والآفات النفسية تبدأ مع الطفولة، بل قد تنحدر مع خصائص الوراثة، وإذا لم تذهب بها التربية الراشدة، نمت مع المرء شابا، وبقيت في دمه شيخا. وانظر إلى رجل كأبى سفيان، لقد كان قائد مكة وشيخها المقدم في الجاهلية، ولم يفت الرجال الذين يعرفونه أنه يحب الفخر، وأن كلمة تنوِّه بشأنه قد تؤثر في حكمه .. ص _086

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت